قالت منظمة «صحفيات بلا قيود» إن قوات الاحتلال الإسرائيلي تواصل تنفيذ غارات جوية تستهدف المدنيين الفلسطينيين بصورة ممنهجة، بما أدى إلى محو عائلات بأكملها من السجل المدني في قطاع غزة، وأكدت أن قتل المدنيين بات سياسة ثابتة تنفذها سلطات الاحتلال دون مواربة، في ظل محاولات متواصلة لتضليل الرأي العام الدولي بشأن طبيعة أعمال الإبادة الجماعية واستمرارها.
يوم الثلاثاء 21تموز/ يوليو الجاري، قصفت طائرات الاحتلال منزلًا مأهولًا، ما أدى إلى استشهاد جميع أفراد عائلة المصري، وشهد اليوم نفسه أكثر من 12 خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار، أسفرت عن استشهاد 12 فلسطينيًا وإصابة آخرين.
وأدانت صحفيات بلا قيود الهجمات المكثفة التي تشنها قوات الاحتلال، وقالت إن استمرار المجازر، أمر مشين ويكشف عن استحقار إسرائيلي للعالم ولحقوق الإنسان، ولفتت إلى المحرقة الأخيرة التي أودت بعائلة المصري، حيث أسفر الهجوم الإسرائيلي إلى استشهاد فراس أحمد المصري وزوجته سلسبيل وأطفالهما نعيم وفريال وسلمى وأميرة، بعد استهداف مباشر بثلاثة صواريخ حولت شقتهم السكنية إلى كتلة من لهب، لتُمحى الأسرة بالكامل من السجل المدني.
وأكدت المنظمة إن هذه المجازر هي امتداد لنمط متكرر من الانتهاكات، يتمثل في استهداف المنازل وخيام النازحين والتجمعات العائلية باستخدام صواريخ ثقيلة وطائرات مسيرة، بما يؤكد أن هذه الهجمات متعمدة ضد المدنيين. كما أن استخدام ذخائر شديدة التدمير في مناطق مكتظة بالسكان يشكل انتهاكًا واضحًا لمبادئ التمييز والتناسب المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني.
رفاة المجازر
ونوهت صحفيات بلا قيود، إلى أن إبادة عائلة المصري، تزامنت مع انتشال جثامين ضحايا مجزرة ارتكبتها قوات الاحتلال بحق عائلة الحساينة في نوفمبر 2023. فقد أعلن الدفاع المدني في غزة انتشال رفات 47 شهيدًا من تحت أنقاض منزل العائلة في منطقة الصبرة جنوب مدينة غزة، فيما لا تزال فرق الإنقاذ تبحث عن 36 مفقودًا آخرين يُعتقد أنهم ما زالوا تحت الركام.
وكانت قوات الاحتلال قد دمرت في ذلك الوقت مربعًا سكنيًا يضم منازل لعائلتي الحساينة وأبو شريعة، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 93 فلسطينيًا، بينهم أكثر من 55 من أفراد عائلة الحساينة، غالبيتهم من النساء والأطفال. وظلت جثامين الضحايا مدفونة تحت الأنقاض لأكثر من عامين ونصف، بسبب الدمار الواسع ومنع إدخال المعدات الثقيلة اللازمة لعمليات الانتشال.
وطبقاً للتقارير الإحصائية الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، فإن حصيلة الشهداء الذين وصلت جثامينهم إلى المستشفيات منذ بداية الحرب ارتفعت إلى 73,305 شهداء، فيما لا يزال آلاف الضحايا تحت الركام أو في الطرقات، بعدما أعاقت عمليات القصف ونقص المعدات والوقود وصول فرق الإسعاف والدفاع المدني إليهم.
وقالت صحفيات بلا قيود، إن الكارثة الإنسانية تتفاقم بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية؛ فالمجاعة ونقص الوقود والدواء تضرب القطاع، بينما تواصل إسرائيل تضييق المساحة المتاحة للحياة، بعد أن فرضت سيطرتها الفعلية على نحو 70% من قطاع غزة عبر أوامر الاخلاء القسري، وعمليات النسف والتدمير داخل ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" ما يدفع أكثر من مليوني فلسطيني إلى التكدس في رقعة ضيقة لا تتجاوز 30% من مساحة القطاع، في ظروف إنسانية وبيئية تزداد قسوة يومًا بعد آخر.
إبادة العائلات... جريمة مستمرة
وأشارت المنظمة إلى مأساة عائلة رجب، التي تعرضت للإبادة على مراحل. فقد كانت الطفلة سارة رجب، ذات التسع سنوات، آخر أفراد العائلة، قبل أن تقتلها غارة إسرائيلية في مايو الماضي.
وكانت إسرائيل قد قتلت والدتها آية وشقيقيها عبدالرحمن ومالك في نوفمبر 2023، ولم ينجُ سوى سارة ووالدها سامح، وكلاهما أصيب بجروح وحروق. ومنذ ذلك الحين، عاشت الطفلة عزلة قاسية بعدما فصل الاحتلال شمال القطاع عن جنوبه، ولم تتمكن من لقاء والدها إلا بعد وقف إطلاق النار في يناير 2025. لكن الهدنة لم تدم طويلًا؛ إذ استؤنف القتال في مارس، ثم قُتل والدها في غارة إسرائيلية غرب غزة في نوفمبر الماضي، وبذلك انضمت سارة إلى قائمة 6020 أسرة لم يبقَ منها سوى ناجٍ وحيد، وفق إحصاءات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.
ولم يمض وقت طويل حتى قتلت إسرائيل، الطفلة سارة رجب، مساء أول أيام عيد الأضحى في 27 مايو 2026، إثر قصف استهدف منزل جدها بمدينة غزة، ، لتنضم عائلة رجب إلى أكثر من 2700 عائلة محيت بالكامل من السجل المدني، بعد رحلة طويلة من الفقد والنزوح والقصف.
وأكدت صحفيات بلا قيود إلى أن هذه المجازر تأتي في سياق الخروقات اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار، عبر القصف المتواصل ونسف الأحياء السكنية. فمنذ إعلان وقف الحرب في 10 أكتوبر الماضي، أضيف 1982 شهيدًا إلى السجلات الرسمية، بينهم 1180 فلسطينيًا قتلتهم إسرائيل مباشرة خلال هذه الفترة، فيما انتُشلت 802 جثة من تحت الأنقاض، في مشهد يعكس أن الموت في غزة لا يتوقف حتى بعد انتهاء الغارات.
جرائم صريحة
وأكدت "صحفيات بلا قيود" أن استهداف المنازل المأهولة، وخيام النزوح، والتجمعات العائلية، وقتل الأسر بأكملها، يشكل انتهاكًا جسيمًا لاتفاقية جنيف الرابعة، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، اللذين يفرضان حماية المدنيين ويحظران الهجمات العشوائية وغير المتناسبة. كما تمثل هذه الممارسات انتهاكًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وترقى، في ضوء نمطها المتكرر واتساع نطاقها، إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، كما تشكل أفعال إبادة جماعية وفقًا لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وشددت المنظمة على أن الذريعة التي يكررها جيش الاحتلال، والمتمثلة في الادعاء بوجود أحد المسلحين داخل المباني المستهدفة، مبرر مخز وغير مقبول، إذ أن القانون الدولي يشدد على مبدأي التمييز والتناسب واتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين. كما أن سلطات الاحتلال لم تقدم، في غالبية هذه الهجمات الممنهجة، أدلة يمكن التحقق منها تثبت صحة هذه الادعاءات.
وأضافت أن استهداف المدنيين بحجة وجود أهداف عسكرية مزعومة لا ينسجم مع قواعد القانون الدولي الإنساني، وحذرت المنظمة من أن استمرار الصمت الدولي إزاء هذه الجرائم يرقى إلى مستوى التواطؤ، ويقوض الالتزامات القانونية الواقعة على عاتق الدول بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.
وجددت صحفيات بلا قيود، دعوتها للمجتمع الدولي بالتحرك العاجل لوقف الجرائم المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين، وفرض عقوبات فعالة على إسرائيل، تشمل حظر تصدير الأسلحة، وتجميد أصول المسؤولين المتورطين، وتعليق الاتفاقيات ذات الصلة، إلى جانب إحالة المسؤولين إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتنفيذ أوامر القبض الصادرة بحقهم، وفتح تحقيقات دولية مستقلة، وضمان جبر ضرر الضحايا ومحاسبة جميع المسؤولين عن هذه الجرائم، بما يضع حدًا لسياسة الإفلات من العقاب.

Ar
En
