غزة: استهداف إسرائيلي ممنهج للشرطة يمهد لتفكيك المجتمع ويضاعف انتهاكات حقوق الإنسان
أدانت منظمة «صحفيات بلا قيود» الهجمات الممنهجة التي تستهدف الشرطة المدنية وجهاز الأمن الداخلي في قطاع غزة. وقالت المنظمة، إن إسرائيل تنفذ ـ منذ بدء حربها على القطاع في أكتوبر/تشرين الأول 2023 ـ سياسة متعمدة تستهدف منظومتي الأمن والعدالة، بغرض انهيار النظام العام وتحقيق الفوضى الشاملة.
وشهد الأسبوع الجاري تصعيداً دامياً، إذ اغتالت قوات الاحتلال، يوم الأحد 26 يوليو/تموز، مدير جهاز الأمن الداخلي في غزة، العقيد وائل موسى اللداوي (44 عاماً)، والرائد رامز توفيق أبو زريق (49 عاماً)، بقصف جوي استهدف مركبتهما في مدينة دير البلح وسط القطاع.
وقبل ذلك بيوم، اغتالت العميد عبد الناصر محمد المقادمة (54 عاماً)، مدير شرطة محافظة شمال غزة، في قصف جوي استهدفه في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، أثناء أدائه واجبه في خدمة المواطنين، وفق ما أفادت به وزارة الداخلية في غزة.
وأكدت صحفيات بلا قيود، أن هذا النمط المتكرر والمنهجي من الاستهداف يطال المؤسسة الأمنية المدنية بوصفها أحد المقومات الأساسية لحماية المجتمع المدني، مقابل دعم عصابات محلية، الأمر الذي يهيئ لمرحلة أكثر خطورة تتراجع فيها قدرة المؤسسات في غزة على حماية السكان، وتتضاعف فيها انتهاكات حقوق الإنسان، بما يشمل تصاعد جرائم القتل والنهب والابتزاز والعنف الداخلي، وتعطيل وصول المساعدات الإنسانية، في ظل غياب سلطة قادرة على إنفاذ القانون وحماية المدنيين
هجمات متكررة وضحايا
وبحسب ما رصدته صحفيات بلا قيود، فقد قتلت قوات الاحتلال ما لا يقل عن عشرة من ضباط وأفراد الشرطة خلال الأيام القليلة الماضية. في 14 يوليو/تموز، قصفت مركز شرطة مخيم جباليا، ما أسفر عن استشهاد سبعة من الضباط والأفراد، بينهم مدير المركز العقيد محمد سالم ونائبه المقدم يامن محمد عبيد (48 عاماً)، إلى جانب خمسة مواطنين.
ومنذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، ارتفعت حصيلة القتلى من قادة وضباط وعناصر الشرطة إلى 55 شهيداً، في حين تجاوز العدد الإجمالي لمنتسبي الشرطة ووزارة الداخلية الذين قتلتهم إسرائيل منذ بدء الحرب إلى أكثر من 2700، من إجمالي الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل وصلت جثامينهم إلى المستشفيات منذ أكتوبر 2023، والذين وصل عددهم إلى 73,326 شهيداً، وفق التقارير الإحصائية الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية في القطاع.
وقالت المنظمة إن الهجمات الإسرائيلي، التي تطال الأفراد ومراكز الشرطة والدوريات ونقاط الأمن، بما تتسم به من منهجية واتساع نطاق وآثار مدمرة على السكان المدنيين، ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتشكل جزءاً من الأفعال التي تندرج ضمن جريمة الإبادة الجماعية وفقاً لنظام روما الأساسي واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.
دعم العصابات
ونوهت صحفيات بلا قيود، إن الاستهداف المتعمد لرجال الأمن، ومراكز الشرطة، ودوريات الداخلية في قطاع غزة، يقابله دعم إسرائيلي لعصابات محلية داخل القطاع، ما يكشف بوضوح عن سياسة متكاملة تهدف لتفكيك المؤسسات الرسمية وإحلال عصابات منفلتة محلها، ما يساهم بإعادة تشكيل البيئة الأمنية والاجتماعية على نحو يكرس الفوضى والعنف، وزرع الانقسام كأداة لإجهاض أي مشروع وطني فلسطيني.
وأضافت المنظمة أن استهداف المؤسسة الأمنية في أي مجتمع يفتح الباب أمام موجة واسعة من الانتهاكات التي يصعب توثيقها أو مساءلة مرتكبيها، بما في ذلك جرائم النهب والابتزاز والاختطاف والثأر والعنف المجتمعي، ويجعل السكان المدنيين أكثر عرضة للاستغلال والانتهاكات، خصوصاً في ظل استمرار النزوح الجماعي وانهيار الخدمات الأساسية والمجاعة..
وأشارت صحفيات بلا قيود، إلى ما ارتكبته عصابة "أبو شباب" التي تتحرك تحت حماية وغطاء عسكري إسرائيلي صريح، حيث توسعت مهامها من نهب الطعام وابتزاز الشاحنات وإتلاف المؤن، إلى تخريب المستشفيات وإحراق الجامعات وتدمير المدارس ونهب بيوت المواطنين، وصولاً إلى اختطاف المدنيين وتسليمهم للجانب الإسرائيلي. وقد سبق لوزير الدفاع الإسرائيلي السابق، يوآف غالانت، أن تحدث في مارس 2024 عن تجنيد عصابات من داخل القطاع وتزويدهم بالأسلحة.
حظر استهداف الشرطة
وأكدت صحفيات بلا قيود، أن القانون الدولي يحظر استهداف المدنيين، بما في ذلك القادة السياسيين والإداريين، كما يوفر الحماية للأجهزة المدنية بما فيها أجهزة الشرطة وأفرادها، وأن فقدان الحماية يرتبط بحالات فردية ومحددة زمنياً أثناء المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية، وعليه، فإن الاستهداف المنهجي لمقار الشرطة وأفرادها، دون تمييز أو إثبات مشاركة مباشرة في القتال، يشكل انتهاكاً لمبادئ التمييز والتناسب والضرورة العسكرية المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول.
علاوة على أن الهجمات العشوائية بذخائر غير متناسبة تطال عائلات بأكملها، يكشف تغييباً متعمداً للتمييز بين المقاتل والمدني، ويحوّل كل فلسطيني إلى هدف لهجمات الاحتلال، في انتهاك صارخ للقانون الدولي.
كما أن تقويض مؤسسات إنفاذ القانون المدنية، بالتوازي مع دعم جماعات مسلحة غير نظامية، يسهم في خلق بيئة تتسع فيها دائرة الانتهاكات ضد المدنيين، ويقوض قدرة المجتمع على حماية أفراده وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وهو ما يجعل هذه السياسة جزءاً من منظومة أوسع تستهدف تفكيك البنية المدنية في قطاع غزة، ما يؤدي بنهاية المطاف إلى تفريغ غزة من سكانها الأصليين، وهو ما يتوافق مع الهدف من الإبادة الجماعية في نهاية المطاف.
وتدعو منظمة «صحفيات بلا قيود» المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي، إلى التحرك العاجل لوقف الاستهداف الممنهج لأفراد الشرطة والمؤسسات المدنية في قطاع غزة، واتخاذ إجراءات فعالة لضمان حماية المدنيين والمنشآت المدنية، وضمان مساءلة المسؤولين عن هذه الجرائم.

Ar
En
