صحفيات بلا قيود: مصير أطفال رانيا العباسي يكشف مأساة آلاف المفقودين في سوريا
عبّرت منظمة صحفيات بلا قيود عن حزنها العميق وتضامنها الكامل مع أقارب عائلة الطبيبة السورية رانيا العباسي، عقب الكشف عن تسجيلات مصوّرة توثق إعدام أطفال رانيا الستة، بعد أكثر من 13 عاماً على اختفاء العائلة وإخفاء أفرادها قسراً على يد عناصر تابعة لنظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.
أعلنت وزارة الداخلية السورية، والهيئة الوطنية للمفقودين، بالإضافة إلى أقارب عائلة العباسي، عن التوصل إلى نتائج تشير بتصفية أطفال رانيا، وذلك بعد سلسلة من إجراءات التحقق والتحليل ومراجعة معلومات ومواد متقاطعة، من بينها مقاطع فيديو كان يحتفظ بها المتهم المشهور بـ "جزار التضامن" في حاسوبه الشخصي.
وأوضحت صحفيات بلا قيود، بأن مأساة عائلة رانيا العباسي تعود، إلى مارس/آذار 2013، حين اعتقل نظام بشار الأسد زوجها الطبيب عبد الرحمن ياسين من منزل العائلة في دمشق، قبل أن تُعتقل رانيا بعد أيام مع أطفالها الستة ومساعدتها في العيادة الخاصة لتنقطع أخبارهم تماماً منذ ذلك الحين.
وكانت رانيا العباسي، بطلة الشطرنج السورية والطبيبة المعروفة بأعمالها الإنسانية، قد اشتهرت باستقبال النازحين من حمص في عيادتها بحي دُمّر في دمشق.
وأكدت منظمة صحفيات بلا قيود أن الكشف عن مصير عائلة العباسي أعاد إلى الواجهة مشاعر القلق والخوف التي تثقل حياة آلاف الأسر السورية، التي ما تزال تعيش على أمل العثور على أي معلومة تكشف مصير أبنائها المفقودين الذين غيبهم نظام الأسد.
ومنذ أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وبعد الحملة العسكرية التي شنتها فصائل المعارضة وأدت إلى انهيار نظام الأسد، جرى الإفراج عن قرابة 24 ألف معتقل أدلوا بتفاصيل صادمة، بينهم أشخاص احتُجزوا لمدد وصلت إلى أربعين عاماً، منذ عهد حافظ الأسد، إلا أن هذا العدد لا يمثل سوى نحو 15% من إجمالي المعتقلين والمفقودين، الذين يُقدَّر عددهم بأكثر من 160 ألف شخص.
التعرف على الأطفال
وقالت نايلة العباسي، شقيقة رانيا، أن اليوم (يوم إعلان مصير أطفال شقيقتها) يوم صعب جداً وقاسٍ.. وأعلم أنه قاسٍ على كلّ سورية وأستطيع رؤية الغضب في قلوب كلّ السوريين الشرفاء، وأوضحت في منشور على فيسبوك أنها شاهدت مع شقيقها حسان مقطع فيديو تمكّنا من خلاله من التعرّف على أطفال رانيا الستة والتأكد من مصيرهم بعد سنوات طويلة من الانتظار. وأكدت "شاهدنا شريطاً بلاستيكياً أسود حول رقاب معظمهم (الأطفال) وسمعنا صوت أمجد يوسف وهو الذي يصوّرهم ويقول: هدون (هؤلاء) فداء لروح الشهيد نعيم اليوسف".
وأشارت إلى أن لجنة المفقودين كانت قد تواصلت معها قبل أسبوعين لإبلاغها بوجود معلومات جديدة، لكنها لا تعرف حتى الآن كيف تم إخفاء الفيديو طوال هذه السنوات أو من أين تم الحصول عليه.
من جهته، قال حسان العباسي إن العائلة كانت تعيش على أمل العثور على أبناء شقيقته رانيا، أحياء، قبل أن تُصدم بالمعلومات الجديدة، منوهاً بأن، الأسرة تدعو إلى عدم نشر المقاطع مراعاة لمشاعر العائلة. وأضاف حسان، أنه، وبعد مشاهدتهم للفيديو، تبين أن الأطفال يرتدون الملابس نفسها الظاهرة في صورهم القديمة، وأن ملامحهم كانت واضحة، كما ظهرت على بعضهم أربطة سوداء حول الرقبة.
المفقودين بين المعتقلات والمقابر
ومنذ سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد،8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بدأت المقابر الجماعية تتكشف للسوريين، من بينها مقبرة جماعية في بلدة القطيفة شمال العاصمة السورية دمشق، حيث تمتد هذه المقبرة على مساحة مقدرة بـ 5 آلاف متر مربع. بحسب حقوقيين سوريين تحدثوا لوكالة رويترز فإن هذه المقبرة تحتوي على مائة ألف جثة، ورغم أنه من الصعب التحقق من الرقم المرعب بدقة في الوقت الراهن، غير أن المقبرة تتكون من خنادق طويلة جرى وضع الجثث فيها وتغطية فتحات الخنادق بكتل اسمنتية قابلة للفتح. وقد ظهرت بعض الجثث بداخل أكياس بلاستيكية وعليها بعض الإشارات والرموز.
وكانت توكل كرمان، رئيسة منظمة صحفيات بلا قيود قد قالت: «من المؤسف أن عشرات الآلاف من الأسر والعوائل السورية تعيش أوقاتاً عصيبة، تتأرجح بين أمل الحصول على أبنائها أحياء في معتقلات الأسد، وبين صدمتها من فظائع المقابر الجماعية التي بدأت تنكشف وتحوي رفات آلاف المجهولين». وأضافت بأن على الحكومة الانتقالية في سوريا التعاون مع الهيئات الأممية والمؤسسات المختصة للعمل على تأمين الأدلة وتوثيقها، كي يتم محاسبة الأسد ومساءلة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان أمام القضاء المحلي والدولي وضمان تحقيق العدالة للسوريين.
ويسود اعتقاد لدى المتهمين بالوضع الإنساني السوري بأن نظام الأسد كان يعمل على إخفاء الأدلة التي تدينه بتصفية آلاف المعتقلين، وكانت اللجنة الدولية المعنية بالأشخاص المفقودين قد أفادت بوجود ما يصل إلى 66 موقعا لمقابر جماعية مجهولة الهوية.
إنصاف الضحايا
وترى صحفيات بلا قيود، بأن السوريين عاشوا عقوداً من الظلم وتعرضت حقوقهم الإنسانية لفظائع مهولة إبان الحقبة الاستبدادية لعائلة الأسد، وقد فتحت المرحلة الجديدة آمالا للسوريين للحصول على العدالة، وعلى السلطة الانتقالية والمنظمات الإنسانية والمجتمع الدولي العمل على تحقيقها لإنصاف عشرات الآلاف الذين مازالوا ينتظرون أية معلومات عن أحبتهم المفقودين حتى الآن.
وتطالب منظمة صحفيات بلا قيود بما يلي:
· فتح تحقيقات مستقلة وشفافة وشاملة في قضية عائلة رانيا العباسي وكافة قضايا الإخفاء القسري والانتهاكات المرتكبة بحق المعتقلين والمفقودين في سوريا، ومحاسبة جميع المتورطين فيها دون إفلات من العقاب.
· الإسراع في إنشاء قاعدة بيانات وطنية للمفقودين والمغيبين قسراً، تضمن حق العائلات في الوصول إلى المعلومات المتعلقة بذويهم ومعرفة مصيرهم.
· حماية المقابر الجماعية ومواقع الاحتجاز السابقة من العبث أو طمس الأدلة، وتمكين فرق الطب الشرعي والخبراء الدوليين من الوصول إليها وإجراء الفحوصات اللازمة.
· تقديم الدعم النفسي والقانوني والاجتماعي لعائلات الضحايا والمفقودين، وضمان مشاركتهم في مسارات العدالة الانتقالية وكشف الحقيقة.
· ضمان عدم إفلات المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق السوريين من العدالة، ودعم جهود إنصاف الضحايا وجبر الضرر.
· العمل على بناء مسار عدالة انتقالية يكشف الانتهاكات ويصون ذاكرة الضحايا ويمنع تكرار هذه الجرائم مستقبلاً.

Ar
En
