تعرب منظمة "صحفيات بلا قيود" عن قلقها البالغ لعمليات النقل الجماعي والقسري لآلاف المعتقلين المشتبه بانتمائهم لتنظيم الدولة "داعش" من مخيمات ومراكز الاحتجاز في شمال شرق سوريا إلى الأراضي العراقية في ظل نظام قضائي يفتقر للشفافية والعدالة.
وحسب تقارير موثقة فقد قامت الولايات المتحدة وشركائها المحليين بنقل ما يقارب 5,700 معتقل منذ أواخر يناير/كانون الثاني الماضي، بالتزامن مع التغيرات العسكرية المتسارعة في الشمال السوري. غالبيتهم من السوريين والعراقيين ومن جنسيات ثالثة. ويتم احتجازهم في سجن الناصرية في ذي قار وسجن الكرخ قرب مطار بغداد، وعدد أقل في السليمانية بإقليم كردستان. ونُفذت رحلات النقل في إطار عملية "العزم الصلب" التابعة للجيش الأمريكي، والمسؤولة عن عمليات مكافحة الإرهاب في المنطقة.
وأكدت صحفيات بلاقيود أن هذه العمليات، التي جرت بمعزل عن الرقابة الحقوقية المستقلة، تضع حياة آلاف الأشخاص في مواجهة مباشرة مع خطر التعذيب، والاختفاء القسري، والمحاكمات الجائرة التي تفتقر لأدنى معايير العدالة.
وتشدد المنظمة على أن تسليم هؤلاء المعتقلين لسلطات تمتلك سجلاً حافلاً بالانتهاكات الجسيمة يمثل "ضوءاً أخضر" لممارسة التعذيب الممنهج لانتزاع اعترافات قسرية. إن ارتكاب تنظيم داعش لفظائع بين عامي 2014 و2017 لا يبرر بأي حال من الأحوال الالتفاف على القانون الدولي؛ إذ إن العدالة لا تُبنى بانتهاك حقوق الإنسان أو عبر إجراءات أمنية تفتقر للشفافية.
سياق القمع ومخاطر التعذيب
وصرحت السيدة توكل كرمان، رئيسة منظمة "صحفيات بلا قيود" والحائزة على جائزة نوبل للسلام: "بغضّ النظر عن انتماءات هؤلاء المعتقلين أو أفعالهم المزعومة، لا يمكن التغاضي عن حقيقة احتجازهم لسنوات طويلة دون مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة، ليجدوا أنفسهم اليوم محتجزين في بلد آخر دون ضمانات كافية تحميهم من خطر التعذيب أو الإعدام خارج إطار القانون".
وتحذر المنظمة من أن نقل آلاف المحتجزين إلى نظام قضائي وأمني عراقي عُرف باعتماده الممنهج على "الاعترافات" المنتزعة تحت التعذيب يمثل مقامرة بحياتهم ويدفع بهم إلى "ثقوب سوداء" حقوقية. إن غياب الضمانات القانونية الشفافة وحرمان المنظمات الدولية والمحامين من الوصول إلى المعتقلين يجعل القوى الناقلة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، شريكة في المسؤولية القانونية عن أي انتهاكات تلحق بهم.
إن عمليات النقل هذه تمثل انتهاكاً صارخاً لمبدأ "عدم الإعادة القسرية" (Non-refoulement) المنصوص عليه في المادة (3) من اتفاقية مناهضة التعذيب، والتي تحظر إعادة أي شخص إلى دولة إذا قامت أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعذيب. كما يعد ذلك خرقاً للمادة (7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر التعذيب أو العقوبة القاسية واللاإنسانية تحت أي ظرف.
الحقائق المروعة ومنهجية التعذيب في السجون
وتُذكّر "صحفيات بلا قيود" بالحقائق المروعة التي كشف عنها تقريرها السابق "مجازر صامتة.. سجناء العراق بين جدران الموت والإعدامات الطائفية"، مؤكدة أن المعتقلين المنقولين إلى سجني "الناصرية" و"الكرخ" يواجهون أساليب تعذيب وحشية تشمل الصعق بالكهرباء، والتعليق بالأطراف، والتهديد بالعنف الجنسي. وتهدف هذه الممارسات إلى إجبارهم على التوقيع على اعترافات مسبقة تشرعن إصدار أحكام بالإعدام ضدهم في محاكمات صورية تفتقر للنزاهة.
وتشدد المنظمة على أن محاربة الإرهاب لا تبرر تقويض العدالة؛ فالنظام القضائي الذي يفتقر للشفافية لا ينتج إلا مزيداً من الظلم الذي يغذي التطرف. وقال مجلس القضاء الأعلى العراقي إن معظم هؤلاء احتجزوا دون إجراءات قانونية واجبة، وأنه بدء تحقيقات بشأنهم. مشيراً إلى أن من بين المنقولين قادة كبار في تنظيم داعش متهمون بارتكاب إبادة جماعية واستخدام أسلحة كيميائية.
وتضيف السيدة كرمان: "يستحق ضحايا جرائم 'داعش' البشعة عدالة حقيقية وناجزة تضمد جراحهم، لكن العدالة الانتقامية التي تعتمد على التعذيب أو المحاكمات السرية لا تمثل الضحايا، بل تعيد إنتاج دورات العنف. العدالة لا تتحقق بإنتاج ضحايا جدد للتعذيب، بل بإرساء قيم المحاسبة والشفافية وصون الكرامة الإنسانية التي تسمح بظهور الحقائق كاملة أمام الرأي العام العالمي".
تشير "صحفيات بلا قيود" أن استمرار افتقار العراق لقانون وطني يُجرّم الجرائم الدولية الأساسية—بما فيها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية—يُعد عائقاً جوهرياً أمام تحقيق عدالة ناجزة تنصف الضحايا وتكشف الحقيقة، حيث يقتصر التوصيف القانوني الحالي لمحاكمات عناصر "داعش" على قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2005 الذي يركز على عقوبة الإعدام بناءً على "الانتماء التنظيمي" بدلاً من المحاسبة على "الأفعال الجنائية المحددة"، وهو ما تسبب في عرقلة التعاون مع فريق التحقيق الأممي (يونيتاد) وحرمان القضاء العراقي من أدلة دولية حيوية نتيجة عدم مواءمة النظام القانوني المحلي مع المعايير الدولية وحقوق الإنسان.
تجاهل مأساة مخيمي "الهول" و"روج" والمسؤولية الدولية
وتستهجن المنظمة تعمد الإعلان الأمريكي تجاهل المأساة الإنسانية والقانونية لأكثر من 28,000 شخص من أقارب عناصر "داعش"، غالبيتهم من النساء والأطفال، المحتجزين بشكل غير قانوني في مخيمي "الهول" و"روج" بشمال شرق سوريا. إن القفز على مصير هؤلاء، الذين يعيشون في ظروف تهدد حياتهم وبينهم 12,500 أجنبي، يمثل تنصلاً سافراً من المسؤوليات الدولية القانونية والأخلاقية.
وتحمل "صحفيات بلا قيود" الدول الستين التي ينتمي إليها هؤلاء المحتجزون المسؤولية الكاملة عن تقاعسها في استعادة مواطنيها وتوفير إجراءات قانونية شفافة لهم فوق أراضيها. إن استمرار سياسة المماطلة هو اشتراك ضمني في استمرار معاناة آلاف الأطفال والنساء المحتجزين دون تهمة في معتقلات مفتوحة تفتقر لأدنى معايير الكرامة الإنسانية.
وتختتم السيدة كرمان تصريحها بمناشدة الحكومات بوقف سياسة التنصل من المسؤوليات، مؤكدة أن "إرساء سيادة القانون هو الطريق الوحيد لإنصاف الضحايا وضمان عدم تكرار مآسي الماضي".
المطالب والتوصيات
بناءً على هذا المنزلق الحقوقي الخطير، وإعمالاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن منظمة "صحفيات بلا قيود" تتقدم بالمطالب العاجلة التالية:
1. تحميل القوى الناقلة المسؤولية: تطالب صحفيات بلاقيود الولايات المتحدة وقوات "التحالف الدولي" بوقف أي عمليات نقل إلى العراق التزاماً بمبدأ "عدم الإعادة القسرية"، وتحملها المسؤولية الجنائية الكاملة عن أي انتهاكات تلحق بهم بعد التسليم، مؤكدة أن مكافحة الإرهاب لا تمنح حصانة من المساءلة عن خرق اتفاقية مناهضة التعذيب.
2. تأمين الرقابة الدولية العاجلة ووقف التعذيب في السجون: تطالب المنظمة الحكومة العراقية بتمكين اللجنة الدولية للصليب الأحمر والبعثات الأممية من الوصول غير المشروط لسجون "الناصرية" و"الكرخ" و"السليمانية" لضمان السلامة الجسدية للمنقولين، ووقف كافة أساليب التعذيب الوحشية الممنهجة لانتزاع "اعترافات" مسبقة تشرعن أحكام الإعدام الصورية.
كما تطالب صحفيات بلاقيود الدول المعنية بالوفاء بالتزاماتها القانونية بحماية رعاياها المنقولين للعراق من خطر التعذيب والإعدام التعسفي، وتحذر من أن تسهيل عمليات النقل دون ضمانات موثوقة يُعد تواطؤاً صريحاً في الانتهاكات يُوجب المساءلة القانونية الدولية.
3. ضمان محاكمات عادلة وشفافة كحق للضحايا والمتهمين: تشدد صحفيات بلاقيود على أن العدالة لضحايا "داعش" لن تتحقق عبر "العدالة الانتقامية"، بل بإرساء محاكمات علنية تلتزم بالمعايير الدولية، وتضمن حق الدفاع، وتستبعد كلياً أي اعترافات تحت الإكراه، بما يضمن محاسبة الجناة الحقيقيين وصون الكرامة الإنسانية التي هي جوهر حقوق الإنسان.
توصي المنظمة السلطات العراقية بالإسراع في سن تشريع وطني شامل يُجرّم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بما يتماشى مع القانون الدولي، لضمان محاسبة الجناة على أفعالهم المنهجية المحددة وتسهيل التعاون مع الآليات الأممية لإنصاف الضحايا عبر محاكمات عادلة وشفافة.
4. إنهاء ملف الاحتجاز غير القانوني في "الهول وروج" وإعادة الأجانب: تطالب صحفيات بلاقيود بإنهاء سياسة "العقاب الجماعي" والمماطلة تجاه 28 ألف محتجز (غالبيتهم نساء وأطفال) في مخيمي الهول وروج، وإلزام الدول الستين باستعادة مواطنيها فوراً وتحمل مسؤولياتها القانونية فوق أراضيها، لإنهاء هذه "الثقوب السوداء" التي تفتقر لأدنى شروط الحياة والقانون.
تضع منظمة "صحفيات بلا قيود" هذه المطالب أمام الضمير العالمي والهيئات الأممية، وتؤكد على أن مكافحة الإرهاب لا تمنح أي سلطة أو دولة صكاً على بياض لانتهاك الكرامة الإنسانية أو تقويض سيادة القانون؛ فالتغاضي عن التعذيب والمحاكمات الجائرة هو هزيمة أخلاقية وقانونية تُعيد إنتاج دوائر العنف والتطرف ولا تنهيها. وتجدد نداءها للمجتمع الدولي بضرورة التحرك الفوري لضمان إرساء عدالة شفافة تنتصف للضحايا وتصون حقوق المتهمين. مؤكدة أن المسؤولية الجنائية عن المشاركة أو التواطؤ في هذه الانتهاكات هي مسؤولية قائمة ولن تسقط بالتقادم.

Ar
En
