صحفيات بلاقيود تندد بالاستهداف الممنهج للأعيان المدنية والبنية التحتية في إيران والخليج
جنيف: شهدت منطقة الخليج والجمهورية الإسلامية الإيرانية تصعيداً عسكرياً غير مسبوق خلال الفترة الممتدة خلال الأسبوعين الأخيرين منذ بدء الهجوم الأمريكي/الإسرائيلي على طهران، حيث تركزت العمليات القتالية بشكل مباشر على استهداف الأعيان المدنية والبنية التحتية الحيوية.
وقد أدى هذا النمط من العمليات إلى إلحاق أضرار جسيمة بمنشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه وشبكات الكهرباء والنقل، مما ينذر بكارثة إنسانية واقتصادية تتجاوز حدود المنطقة لتلقي بظلالها على الاستقرار العالمي.
وقالت صحفيات بلاقيود إن تنوع الأهداف ما بين منشآت نووية وبحثية في إيران، ومنشآت غاز طبيعي مسال كبرى في قطر والإمارات، ومحطات مياه في الكويت، يعكس تحولاً استراتيجياً خطيراً نحو استهداف مقومات الحياة الأساسية للسكان.
وتسببت الحرب الإقليمية المستمرة منذ 28 فبراير/شباط في مقتل وإصابة آلاف المدنيين في إيران، والعشرات في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي (بينهم مئات الأطفال والنساء)، ومن الواضح أن المدنيين والبنى التحتية المدنية تدفع الثمن الأكبر مع تجاهل طرفي الصراع لقواعد القانون الدولي
وقالت السيدة توكل كرمان رئيسة منظمة صحفيات بلاقيود (الحائزة على جائزة نوبل للسلام 2011) نعرب عن بالغ استهجاننا واستنكارنا الشديد للعمليات العسكرية الإيرانية من جهة والأمريكية الإسرائيلية من جهة أخرى والتي اتسمت بنمط إجرامي صارخ استهدف تقويض البنية التحتية الحيوية في منطقة الخليج وإيران بشكل متعمد.
وأضافت: لقد تجاوزت هذه الاعتداءات كل الخطوط الحمراء المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني، حيث طالت منشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه والكهرباء، مما يعكس استهتاراً تاماً بالأرواح والممتلكات المدنية. إن تحويل مقومات الحياة الأساسية للسكان إلى أهداف عسكرية يمثل انحداراً أخلاقياً وقانونياً لا يمكن السكوت عنه أو تبريره تحت أي ذريعة سياسية أو عسكرية.
استهداف الأعيان المدنية في دول الخليج
تعرضت مدينة رأس لفان الصناعية في دولة قطر في 18 مارس/آذار 2026 لهجوم صاروخي أدى إلى تدمير ما يقرب من 17% من قدرة البلاد على إنتاج الغاز الطبيعي المسال، مما دفع شركة قطر للطاقة لإعلان حالة القوة القاهرة. هذا الهجوم لم يتسبب فقط في أضرار مادية جسيمة لمنشأة "اللؤلؤ" لتحويل الغاز إلى سوائل، بل أدى أيضاً إلى اضطراب حاد في سلاسل توريد الطاقة العالمية.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، شهدت منشآت "حبشان" للغاز حوادث متكررة نتيجة سقوط شظايا صواريخ اعتراضية، مما أسفر عن مقتل عامل يحمل الجنسية المصرية وإصابة آخرين. وقد أجبرت هذه الأضرار المنشأة، التي تعد الأكبر في البلاد لمعالجة الغاز، على تعليق عملياتها مرتين بين 18 مارس/آذار و2 ابريل/نيسان2026، مما يبرز المخاطر المحيطة بالعمال المدنيين في المناطق الصناعية.
أما في الكويت، فقد تعرضت لهجمات مباشرة من إيران في 2 و3 أبريل/نيسان 2026 استهدفت محطات توليد الطاقة وتحلية المياه، مما أثار إدانة دولية واسعة من قبل منظمة الصحة العالمية نظراً للمخاطر التي تفرضها هذه الهجمات على المستشفيات والأمن المائي. كما طال الاستهداف مصفاة ميناء الأحمدي النفطية عبر طائرات مسيرة، وقبله مطار الكويت الدولي، مما يؤكد نمطاً واسعاً من العمليات التي تستهدف البنية الأساسية للدولة.
وقالت صحفيات بلاقيود: إن استهداف محطة توليد الطاقة وتحلية المياه في الكويت في مطلع أبريل/نيسان 2026 يعد عملاً عدائياً يرقى إلى جرائم الحرب، نظراً لاستهدافه المباشر لمصدر المياه الوحيد للسكان. يجب أن تؤخذ التحذيرات بشأن المخاطر الجسيمة التي تهدد المستشفيات والرعاية الصحية في الكويت نتيجة هذه الضربات على محمل الجد كدليل دامغ على نية المعتدي إلحاق المعاناة بالمدنيين. كما أن ستهداف مصافي النفط مثل "ميناء الأحمدي" في الوقت ذاته يؤكد شمولية المخطط التدميري.
وفي البحرين تم رصد هجمات استهدفت مستودعات وقود؛ حيث اندلع حريق في مستودع بالقرب من مطار البحرين الدولي في 12 مارس/آذار.
استهداف البنية التحتية في إيران
كما واجهت إيران سلسلة من الهجمات المركزة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل التي استهدفت مدارس ومستشفيات ومنشآت نووية وبحثية، حيث تعرضت محطة "أراك" للمياه الثقيلة لغارات جوية مكثفة من قبل القوات الإسرائيلية في نهاية مارس/آذار 2026. وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية تدميراً واسع النطاق في الموقع، الذي كان يخضع لمحاولات إعادة بناء بعد ضربات سابقة، مما يرفع من منسوب المخاطر البيئية والنووية في المنطقة. كما تعرضت منشآت لتخصيب ومعالجة اليورانيوم في أردكان ومواقع أخرى لضربات
كما امتدت الأضرار لتشمل المرافق العامة وشبكات النقل وتوزيع الوقود، حيث تسببت الضربات في انقطاع التيار الكهربائي عن أجزاء من العاصمة طهران ومحافظة البرز في 29 مارس/آذار وفي 3 أبريل، تعرض جسر (B1) الاستراتيجي لضربة أدت إلى انهيار أجزاء من هيكله الفولاذي، مما تسبب في شلل مروري وأعاق حركة النقل والخدمات اللوجستية الأساسية.
وعلى الصعيد الرقمي، يعاني السكان في إيران من انقطاع شبه كامل لخدمات الإنترنت منذ 28 فبراير/شباط 2026، وهو ما عزته تقارير إلى الإجراءات الحكومية الصارمة المرتبطة بالحرب. هذا الانقطاع أدى إلى عزل المواطنين عن العالم الخارجي وعرقلة الأنشطة التعليمية والتجارية، مما يمثل تراجعاً خطيراً في حقوق الإنسان الأساسية.
وقالت صحفيات بلاقيود: إن هذا التصعيد الذي طال المدراس والمستشفيات مرافق الطاقة والنقل والمنشآت البحثية يمثل خروجاً سافراً عن المواثيق الدولية واستهتاراً بحقوق السكان الأساسية في العيش بأمان. إننا نرى في هذا النمط من العمليات الحربية محاولة واضحة لتقويض مقومات الحياة اليومية، مما يضع الولايات المتحدة وإسرائيل أمام مسؤولية قانونية وتاريخية جسيمة تجاه المدنيين. إن الصمت الدولي المطبق حيال هذه الانتهاكات الموثقة يمنح ضوءاً أخضر للاستمرار في تدمير المنشآت التي لا غنى عنها لبقاء السكان على قيد الحياة.
وتنظر صحفيات بلاقيود ببالغ الخطورة للغارات الجوية المتكررة التي شنتها القوات الإسرائيلية على محطة أراك للمياه الثقيلة في أواخر مارس 2026، وتلك التي استهدفت محطة "بوشهر" على مياه الخليج. إن استهداف منشأة تحتوي على مواد حساسة وقوى خطرة يمثل قمة الاستهتار بالأمن المائي والبيئي والصحي للمنطقة بأسرها. إن ادعاءات الجيش الإسرائيلي بأن هذه الضربات جزء من جهوده لإنهاء "التهديد النووي" لا تمنحه الحق في انتهاك المادة 56 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف. إننا نؤكد أن قصف مثل هذه المواقع قد يؤدي إلى كوارث إشعاعية عابرة للحدود تفتك بالحياة البشرية لسنوات طويلة. إن هذا التوجه العسكري يضع المنطقة على حافة هاوية بيئية لا يمكن احتواؤها، حيث أن أي تسرب إشعاعي محتمل سيطال الأبرياء في إيران والدول المجاورة على حد سواء. إننا نطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتدخل الفوري لتقييم حجم المخاطر البيئية الناتجة عن هذه الاستهدافات غير المسؤولة.
الإطار القانوني الدولي
يستوجب القانون الدولي الإنساني، وبشكل خاص البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، ضرورة التمييز المطلق بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، وهو ما يبدو أنه قد تم تجاوزه في الهجمات التي طالت محطات تحلية المياه والمنشآت النفطية. إن الأعيان المدنية تتمتع بحماية عامة ضد الهجمات، كما يُحظر استهداف المنشآت التي تحتوي على "قوى خطرة" مثل السدود والمنشآت النووية إذا كان الهجوم قد يسبب خسائر فادحة بين المدنيين.
وفيما يخص الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فإن العهد الدولي الخاص بهذه الحقوق يفرض على الدول والجهات الفاعلة احترام الحق في الحصول على المياه الصالحة للشرب والخدمات الصحية، وهي حقوق تعرضت لانتهاك مباشر باستهداف محطات التحلية في الكويت. إن حرمان ملايين السكان من المياه والكهرباء نتيجة عمليات عسكرية يعد خرقاً للمواثيق الدولية التي تضمن العيش الكريم وحماية الأفراد من الآثار الجانبية للنزاعات.
كما أن استهداف البنية التحتية الرقمية وقطع خدمات الإنترنت يمثل انتهاكاً للحق في حرية التعبير والحصول على المعلومات المكفول في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. إن هذه الإجراءات، سواء كانت نتيجة أعمال تخريبية أو قرارات سيادية في سياق الحرب، تؤدي إلى حجب الحقائق وتصعب من مأمورية المنظمات الحقوقية في رصد الانتهاكات الميدانية وتقديم المساعدات الإنسانية اللازمة.
علاوة على ذلك، فإن الهجمات التي تستهدف منشآت الطاقة، مثل مجمع رأس لفان أو منشآت حبشان، تضرب عصب الحياة الاقتصادية وتؤدي إلى إعلان حالة "القوة القاهرة"، مما يضر بالحق في العمل والاستقرار الاقتصادي. إن المسؤولية الجنائية الدولية قد تترتب على القادة العسكريين الذين يوجهون هجمات متعمدة ضد منشآت يعلمون يقيناً أنها تؤدي إلى دمار يخرج عن نطاق الضرورة العسكرية المباشرة.
إن الفشل في حماية البنية التحتية المدنية يؤدي إلى تآكل الثقة في المنظومة القانونية الدولية التي تهدف إلى "أنسنة" النزاعات المسلحة. وتبرز حالات منشآت الغاز في قطر والإمارات ومحطات التحلية في الكويت، والبنية التحتية للكهرباء والطاقة في إيران، ضرورة إعادة تفعيل البروتوكولات الخاصة بحماية المنشآت النووية والصناعية التي يعمل بها آلاف المدنيين وتوفير تدابير أمنية تضمن سلامتهم أثناء العمليات العسكرية.
وقالت السيدة كرمان: طبيعة الهجمات المسجلة تشير بوضوح إلى نية مبيتة لإحداث شلل تام في الأمن الاقتصادي والإنساني لملايين المدنيين في المنطقة. إن هذا النمط من الحروب لا يستهدف الجيوش، بل يستهدف حق الإنسان الأساسي في الوصول إلى المياه والكهرباء والبيئة الآمنة، وهو ما يعد انتهاكاً جسيماً للاتفاقيات الدولية. إننا نحذر من أن استمرار هذا التوجه سيؤدي حتماً إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي والدولي بشكل قد لا يمكن تداركه في المستقبل القريب.
وتابعت: لقد أثبتت الوقائع الموثقة أن الأطراف المنخرطة في هذا النزاع قد ضربت عرض الحائط بمبدأ "التمييز" بين المقاتلين والمدنيين، وهو الركيزة الأساسية لقواعد الحرب. إن استهداف مدينة "رأس لفان" القطرية ومنشآت "حبشان" الإماراتية ومحطات المياه الكويتية، بالتزامن مع ضرب المنشآت النووية والجسور في إيران، يؤكد أننا أمام حرب تدميرية شاملة للبنى التحتية. هذا النهج العدواني يستوجب تحركاً دولياً فورياً لردع المعتدين ووضع حد لهذه الانتهاكات الصارخة.
توصيات
- يتوجب على كافة أطراف النزاع الالتزام الفوري وغير المشروط بوقف استهداف الأعيان المدنية والمرافق الحيوية التي لا غنى عنها لحياة السكان، امتثالاً لقواعد القانون الدولي الإنساني. إن الاستمرار في هذا النهج التدميري لا يخدم أي أهداف عسكرية مشروعة بقدر ما يمعن في تدمير مستقبل الأجيال القادمة في المنطقة.
- نطالب بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة تحت إشراف الأمم المتحدة لتقييم الأضرار التي لحقت بمحطات تحلية المياه في الكويت والمنشآت النووية في إيران، وتحديد المسؤوليات القانونية والجنائية. إن الصمت الدولي تجاه استهداف مقومات الأمن المائي والنووي يشجع على استمرار هذه الانتهاكات الجسيمة.
- يجب على الدول المتضررة والشركات المشغلة للمنشآت الحيوية تعزيز بروتوكولات حماية العمال المدنيين وضمان صرف تعويضات عادلة لذوي الضحايا الذين سقطوا أثناء أداء عملهم. كما يتعين على المجتمع الدولي تقديم الدعم التقني لإصلاح البنية التحتية المتضررة لضمان عدم انقطاع الخدمات الأساسية عن المدنيين.
- ونناشد كافة الجهات الفاعلة بضرورة تحييد قطاع الاتصالات والإنترنت عن الصراع المسلح، لضمان ممارسة الأفراد لحقوقهم الرقمية وتسهيل عمليات الرصد الحقوقي والإغاثي. إن الشفافية الرقمية هي الضمانة الوحيدة لمنع وقوع انتهاكات حقوقية جسيمة تحت ستار العزلة التقنية.


Ar
En