ليبيا: لجنة حكومية لا تعفي سلطات حفتر وداعميها من المسؤولية عن جرائم التعذيب
قالت منظمة صحفيات بلا قيود إنها تتابع بقلق بالغ استمرار الصمت الدولي إزاء جرائم التعذيب والانتهاكات الجسيمة داخل مراكز الاحتجاز في شرق ليبيا، مؤكدة أن إعلان الحكومة الليبية المكلّفة من مجلس النواب في بنغازي تشكيل لجنة مؤقتة لمراجعة أوضاع الاحتجاز، لا يمثل استجابة حقيقية لحجم الجرائم الموثقة، ولا يمكن اعتباره بديلاً عن المساءلة الجنائية الفعلية.
وأضافت المنظمة أن هذه الخطوة جاءت متأخرة وتحت ضغط أممي ودولي متصاعد، على خلفية سجل طويل من الانتهاكات الجسيمة داخل السجون ومراكز الاحتجاز الواقعة تحت سيطرة قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، بما يشمل الاحتجاز التعسفي، التعذيب، الوفيات أثناء الاحتجاز، والإخفاء القسري، وهو ما يشير إلى نمط ممنهج لا يمكن عزله في نطاق “اختلالات إدارية” أو “تجاوزات فردية”.
وأكدت صحفيات بلا قيود أنه رغم أن أي تحرك رسمي لمعالجة أوضاع المحتجزين يُعد من حيث المبدأ خطوة مطلوبة، إلا أن تشكيل لجنة إدارية لا يعفي سلطات الأمر الواقع في شرق ليبيا من مسؤولياتها القانونية عن الجرائم المرتكبة، كما لا يعالج جوهر المشكلة المتمثل في عسكرة السجون، وانعدام الإشراف القضائي والمدني، وغياب آليات المحاسبة والرقابة المستقلة.
وأشارت المنظمة إلى أن تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية وثّقت منذ سنوات بصورة متكررة ما يجري في سجون شرق ليبيا، وعلى رأسها سجون الكويفية وقرنادة ومعسكر الرجمة ومرافق الاحتجاز التابعة لـ كتيبة طارق بن زياد، بما يعكس نمطًا متكررا يرقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
ولفتت صحفيات بلا قيود إلى أن تقرير بعثة تقصي الحقائق المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان (أكتوبر/تشرين الأول 2021) خلص إلى وجود نمط واسع ومنهجي من الانتهاكات في مناطق سيطرة حفتر، شمل الاعتقال دون أوامر قضائية، التعذيب، الوفيات أثناء الاحتجاز، والإخفاء القسري، وهي وقائع تؤكد أن المسألة ليست خللاً في آليات الإدارة، بل منظومة قمع متكاملة.
كما ذكّرت المنظمة بأن منظمة العفو الدولية (يونيو/حزيران 2022) وثقت ارتكاب كتيبة طارق بن زياد لانتهاكات ترقى إلى جرائم حرب، بما في ذلك التعذيب والعنف الجنسي، وهو ما يضع هذه الانتهاكات في نطاق الجرائم الجسيمة التي تستوجب التحقيق والملاحقة القضائية، وليس الاكتفاء بإجراءات شكلية لا تمس مركز القوة ولا تسلسل القيادة.
وأضافت المنظمة أنه في مايو/أيار 2024 أعادت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تسليط الضوء على هذه الانتهاكات عقب وفاة الناشط سراج دغمان أثناء احتجازه تعسفيًا في معسكر الرجمة، مطالبة بتحقيق مستقل وشفاف، وهو مطلب لم يُنفذ حتى اليوم بصورة جدية، الأمر الذي يعكس استمرار سياسة الإفلات من العقاب، وغياب الإرادة السياسية لكشف الحقيقة وإنصاف الضحايا.
وترى صحفيات بلا قيود أن توقيت تشكيل اللجنة يرتبط مباشرة بتصاعد الضغوط الدولية، واقتراب صدور تقرير جديد لفريق خبراء لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة، إلى جانب تزايد اهتمام المحكمة الجنائية الدولية بملفات السجون والانتهاكات في ليبيا، بما في ذلك مسارات التسليم والمساءلة، ما يشير إلى أن الخطوة قد تكون محاولة لاحتواء الضغوط وتقديم صورة “إصلاحية” دون تفكيك البنية التي تنتج التعذيب والانتهاكات.
وشددت المنظمة على أن المسؤولية لا تقع على سلطات حفتر المحلية وحدها، بل تمتد إلى الدول الداعمة لها سياسيًا وعسكريًا وماليًا، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة، التي أسهم دعمها المستمر في ترسيخ بنية أمنية قمعية خارج أي رقابة، ومكّن قوات حفتر من الاستمرار في ارتكاب انتهاكات جسيمة دون محاسبة.
وأكدت صحفيات بلا قيود أن هذا النوع من الدعم قد يرقى إلى مسؤولية غير مباشرة عن الجرائم المرتكبة وفق مبادئ القانون الدولي، خاصة في ظل العلم المسبق بتقارير أممية وحقوقية موثوقة توثق نمط الانتهاكات، بما يفرض التزامات قانونية وأخلاقية على الجهات الداعمة لوقف الإسناد العسكري والمالي الذي يغذي آلة الانتهاكات.
وحذرت المنظمة من أن اللجان الشكلية قد تتحول إلى أداة لتبييض السجل الحقوقي وامتصاص الغضب الدولي، ما لم تُقترن بخطوات واضحة وملزمة، تشمل على وجه الخصوص:
• إخضاع جميع السجون ومراكز الاحتجاز لإشراف قضائي ومدني مستقل؛
• الإفراج الفوري عن المحتجزين تعسفيًا دون أوامر قضائية؛
• فتح تحقيقات جنائية مستقلة في جميع حالات التعذيب والوفيات أثناء الاحتجاز؛
• محاسبة القيادات العسكرية والأمنية المسؤولة، دون استثناء؛
• تمكين آليات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية من الوصول غير المقيّد إلى أماكن الاحتجاز.
وأكدت صحفيات بلا قيود أن ملف السجون في شرق ليبيا يمثل أحد أخطر وأوضح ملفات الجرائم الموثقة، وأن أي معالجة حقيقية يجب أن تنطلق من الاعتراف بحجم الانتهاكات، وبحق الضحايا في الحقيقة والإنصاف وجبر الضرر، لا من محاولات الإنكار أو الالتفاف السياسي والإجرائي.
وختمت المنظمة بالتأكيد على أن الإفلات من العقاب لم يعد خيارًا مستدامًا، وأن استمرار الصمت الدولي أو الاكتفاء بخطوات شكلية يكرّس معاناة الضحايا ويقوّض أي مسار حقيقي للعدالة وسيادة القانون في ليبيا.
صادر عن: منظمة صحفيات بلا قيود
13-يناير/كانون الثاني-2026


Ar
En