صحفيات بلاقيود: السجون غير القانونية والمخفيون قسراً في عدن اختبار حاسم لسيادة القانون واستعادة الدولة
اليمن - تتابع منظمة “صحفيات بلا قيود” باهتمام بالغ التطورات الجارية في العاصمة المؤقتة عدن، والتحركات التي تقودها السلطة الشرعية المعترف بها دولياً في إطار مساعيها المعلنة لبسط سلطة مؤسسات الدولة وفرض سيادة القانون وحماية المدنيين.
وقد برزت هذه التحركات بشكل علني منذ صباح الأربعاء 7 يناير 2026، في سياق أمني وسياسي بالغ التعقيد، أعقب سنوات من سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً على المدينة، وما رافق تلك السيطرة من انتهاكات جسيمة ومنظمة طالت المدنيين وحقوقهم الأساسية.
وتؤكد المنظمة أن هذه اللحظة تمثل فرصة حاسمة لمعالجة أحد أخطر الملفات الحقوقية العالقة في عدن منذ سنوات، والمتمثل في ملف السجون غير القانونية والمخفيين قسراً والمحتجزين تعسفياً لدى قوات وتشكيلات المجلس الانتقالي الجنوبي، باعتباره أولوية قصوى لا تحتمل التأجيل، نظراً لما ينطوي عليه من أبعاد إنسانية وقانونية خطيرة، وارتباطه المباشر بمفهوم الدولة وسيادة القانون، وبضرورة إعادة الاعتبار لمبادئ العدالة وحماية حقوق الإنسان، والتزامات الدولة اليمنية بموجب الدستور الوطني والمواثيق والمعاهدات الدولية ذات الصلة، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب.
السجون غير القانونية: انتهاك ممنهج لسيادة القانون
تؤكد منظمة “صحفيات بلا قيود” أن التقديرات والتقارير الحقوقية المتقاطعة تشير إلى احتجاز مئات المدنيين في شبكة من السجون ومراكز الاحتجاز غير القانونية، المعلنة والسرية التي تدار أو تستخدم من قبل قوات وتشكيلات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي. كما تشير هذه التقديرات إلى أن العشرات من المدنيين لا يزالون قيد الإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي، في انتهاك صارخ للمادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وقد رصدت المنظمة وجود ما لا يقل عن 12 سجناً ومركز احتجاز في مدينة عدن وضواحيها، تعمل خارج أي إطار قانوني أو رقابي، في ظل غياب شبه كامل لدور النيابة العامة والسلطة القضائية، الأمر الذي يشكل تقويضاً مباشراً لسيادة القانون ولضمانات المحاكمة العادلة.
جرائم داخل السجون: من الاحتجاز التعسفي إلى التعذيب المفضي إلى الموت
وتؤكد المنظمة أن هذه السجون تحولت على مدى سنوات، إلى مسارح لانتهاكات جسيمة ومركبة، شملت الاختطاف والاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب الجسدي والنفسي والمعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة والحرمان من التواصل مع الأسر والمحامين والاحتجاز دون أوامر قضائية أو تهم قانونية واضحة، وهي ممارسات محظورة بموجب القانون الوطني والقانون الدولي.
وقد بلغت هذه الانتهاكات ذروتها في عدد من الحالات التي انتهت بوفاة محتجزين تحت التعذيب، كان آخرها وفاة الناشط السياسي الشيخ أنيس الجردمي، في واقعة جسدت بشكل فاضح الطبيعة الإجرامية والمنهجية لما يجري داخل هذه السجون، وعكست نمطاً مستمراً من الإفلات من العقاب وغياب أي مساءلة حقيقية، وهي أفعال قد ترقى إلى جرائم جسيمة بموجب القانون الدولي.
استهداف واسع النطاق للمدنيين
وتشير المنظمة إلى أن مدينة عدن شهدت خلال السنوات الماضية نمطاً ممنهجاً من الانتهاكات استهدف مئات المدنيين، من بينهم صحفيون ومحامون وناشطون وإعلاميون ونقابيون وشخصيات سياسية ومدنية واجتماعية، إضافة إلى شباب ومواطنين عاديين، جرى استهدافهم على خلفية آرائهم أو نشاطهم السلمي، في سياق قمع منظم لأي صوت معارض أو مستقل. كما طالت تلك الانتهاكات النازحين، وما رافقها من حملات تحريض وتمييز عنصري منظمة، إضافة لممارسات متكررة طالت حق التنقل.
سجون ومراكز احتجاز سيئة السمعة
وتورد المنظمة، ضمن رصدها، عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز غير الرسمية سيئة الصيت، التي تديرها قوات وتشكيلات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، بما فيها قوات الحزام الأمني، والدعم والإسناد، والمهمات الخاصة، ومكافحة الإرهاب، ومن أبرزها:
· سجن قاعة وضاح
· سجن بئر أحمد
· سجن معسكر الجلاء
· سجن معسكر عشرين
· سجن معسكر الإنشاءات
· سجن معسكر الشعب
· سجن جزيرة العمال
· سجن فيلا شلال
· سجن معسكر النصر
· سجن الدائرة الأمنية بمعسكر بدر
· سجن معسكر خفر السواحلإ
· إضافة إلى ما عرف بسجن “مقر التحالف” في مديرية البريقة، والذي ارتبط بوجود وإدارة مباشرة للقوات الإماراتية في فترات سابقة، فضلاً عن سجون أخرى ظلت تحت إدارة وإشراف مباشر من تلك القوات.
الدور الإماراتي والانتهاكات المرتبطة به
وفي سياق الانتهاكات التي ارتكبتها القوات الإماراتية خلال سنوات وجودها العسكري المباشر في عدن، تشير المنظمة إلى أن تقارير حقوقية دولية ومحلية موثوقة وثقت تورط تلك القوات في ارتكاب انتهاكات جسيمة وخطيرة، شملت تنفيذ عمليات تصفية وقتل مباشرة طالت سياسيين وناشطين ورجال دين، إضافة إلى إدارة أو الإشراف على مراكز احتجاز غير قانونية، وارتكاب انتهاكات جسيمة، من بينها التعذيب، والإخفاء القسري، والنقل غير القانوني للمحتجزين، وهي ممارسات تشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وتوجب التحقيق الدولي المستقل والمساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
نمط القمع المنهجي وارتكاب انتهاكات جسيمة خلال عام 2025
تشير منظمة “صحفيات بلا قيود” إلى أن وتيرة الانتهاكات التي ارتكبتها قوات وتشكيلات المجلس الانتقالي الجنوبي شهدت تصاعداً لافتاً خلال العام المنصرم 2025، من حيث العدد والنوع ووحدة أنماط الممارسات، بما يعكس نمطاً ممنهجاً ومتكرراً من القمع الأمني والانتهاكات الجسيمة للحقوق والحريات الأساسية.
وتؤكد المنظمة أنها وثقت نحو 426 انتهاكاً خلال عام 2025، شملت ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في عدد من المحافظات، ولا سيما في أعقاب محاولات فرض السيطرة على محافظتي حضرموت والمهره في ديسمبر الماضي، وما رافقها من انتهاكات خطيرة وجسيمة، تضمنت القتل وتصفية الأسرى واختطاف الجرحى، والتهجير القسري والنهب المنظم الذي طال ممتلكات عامة وخاصة.
كما شملت الانتهاكات التي وثقتها المنظمة خلال العام نفسه في مدينة عدن جرائم الاختطاف والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة وانتهاك الحق في الحياة، بما في ذلك وفاة ما لا يقل عن أربعة محتجزين في سجون تلك القوات والتشكيلات نتيجة التعذيب، إضافة إلى انتهاكات ممنهجة استهدفت التجمعات السلمية، بما فيها الاعتداء على النساء والأطفال، في انتهاك صارخ للقانون الوطني والمعايير الدولية لحقوق الإنسان
دعوة عاجلة لإعمال سيادة القانون: مطالب “صحفيات بلا قيود” بشأن السجون غير القانونية في عدن
وبناء على ما سبق، تدعو منظمة “صحفيات بلا قيود” رئيس مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى إيلاء ملف السجون غير القانونية والمخفيين قسراً والمحتجزين تعسفياً في العاصمة المؤقتة عدن أولوية عاجلة خلال المرحلة الحالية، باعتباره استحقاقاً قانونياً وإنسانياً لا يحتمل التأجيل، وأحد المداخل الأساسية لإعمال سيادة القانون وضمان احترام الحقوق والحريات العامة.
وفي هذا الإطار، تطالب المنظمة بما يلي:
1. الكشف الشامل والشفاف عن جميع السجون ومراكز الاحتجاز التي كانت تدار أو تستخدم من قبل قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، سواء المعلنة أو السرية، وحصرها رسمياً وإغلاق أي مرافق احتجاز تعمل خارج الإطار القانوني.
2. تمكين النائب العام والنيابة العامة من ممارسة ولايتهم القانونية الكاملة على جميع أماكن الاحتجاز، بما في ذلك النزول الميداني غير المقيد، والتحقق من أوضاع المحتجزين، وضمان إخضاع أي احتجاز لرقابة قضائية فعالة.
3. الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين على خلفية قضايا الرأي والتعبير والنشاط السياسي والإعلامي، وكل من ثبت أن احتجازه تم دون سند قانوني أو أوامر قضائية صادرة عن جهات مختصة.
4. تشكيل لجنة تقصي حقائق مستقلة ومحايدة لإجراء تحقيقات جادة وشفافة في جميع مزاعم التعذيب وسوء المعاملة والإخفاء القسري، مع ضمان مساءلة المسؤولين عنها وعدم إفلاتهم من العقاب.
5. فتح تحقيقات شاملة وفعالة في جميع الانتهاكات التي ارتكبتها القوات والتشكيلات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي خلال السنوات الماضية، وضمان إنصاف الضحايا وجبر الضرر، ومساءلة المتورطين وفقاً للقوانين الوطنية والتزامات الدولة اليمنية الدولية، مع التأكيد على أن هذه الانتهاكات لا تسقط بالتقادم.
6. فتح ملفات الانتهاكات والجرائم المرتبطة بالتواجد العسكري الإماراتي في عدن خلال الفترات السابقة، وتشكيل لجان تحقيق مستقلة وذات مصداقية للنظر فيها، بما يضمن كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات وتحقيق المساءلة القانونية وفقاً لقواعد القانون الدولي.
ختاماً، تؤكد منظمة “صحفيات بلا قيود” أن معالجة ملف السجون غير القانونية والمخفيين قسراً تمثل مدخلاً أساسياً لإعادة بناء الثقة بمؤسسات الدولة في عدن، وأن أي تجاهل لهذا الملف سيقوض أسس العدالة ويعيد إنتاج العنف والانتهاك.
كما تشدد المنظمة على أن حقوق الضحايا لا تسقط بالتقادم، وأن العدالة والمساءلة والإنصاف الكامل، بما يشمل جبر الضرر وضمان عدم التكرار، تمثل الضامن الحقيقي للاستقرار وسيادة القانون.

Ar
En
