تدين منظمة “صحفيات بلا قيود” بأشد العبارات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي وقعت في مدينتي عدن وسيئون منذ 8 يونيو 2026، خلال الاحتجاجات الشعبية التي خرجت على خلفية الانهيار المستمر لخدمة الكهرباء وتدهور الخدمات الأساسية،
وما رافقها من استخدام مفرط وغير مشروع للقوة من قبل قوات أمنية وعسكرية، أسفر عن سقوط قتيل وعدد من الجرحى ووقوع اعتقالات في صفوف المحتجين.
وتؤكد المنظمة أن هذه الوقائع تمثل استخداماً للقوة المفرطة ضد محتجين سلميين، بما يشكل انتهاكاً جسيماً ومباشراً للحق في الحياة والسلامة الجسدية وحرية التجمع السلمي، وتعكس إخفاقاً خطيراً في احترام الالتزامات القانونية الدولية بحماية المدنيين، بما يستوجب فتح تحقيقات مستقلة وعاجلة وشاملة ومساءلة جميع المتورطين وضمان عدم الإفلات من العقاب.
ووفقاً للمعلومات التي تلقتها المنظمة من مصادر متعددة، فقد شهدت محافظة حضرموت مقتل الشاب مناف صالح باسبعين الصيعري (22 عاماً) جراء تعرضه لإطلاق نار مباشر نُسب إلى أحد العناصر الأمنية في منطقة جولة الشافعي بمدينة سيئون، وإصابة ابن عمه حامد محمد باسبعين الصيعري بجروح خطيرة، وذلك بعد منتصف ليلة 9 يونيو 2026. وتشير المعلومات المتاحة إلى أن الواقعة حدثت في سياق التوترات الأمنية التي رافقت الاحتجاجات الشعبية المطالبة بتحسين الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء، في ظل الانقطاعات المتواصلة التي شهدتها المدينة.
كما اطلعت المنظمة على بيان صادر عن أسرة وقبيلة الضحية أفاد بأن مناف وشقيقه لم يكونا مشاركين في الاحتجاجات لحظة وقوع الحادثة، وأن إطلاق النار وقع في محيط موقع قريب من أماكن التجمعات. وتؤكد المنظمة أن اختلاف الروايات المتداولة بشأن ملابسات الواقعة لا ينتقص من خطورتها، ولا من واجب السلطات في إجراء تحقيق مستقل ومحايد وشامل لكشف حقيقة ما جرى، وتحديد المسؤولين عن إطلاق النار، وضمان مساءلتهم وفقاً للقانون.
وبحسب المعلومات التي جمعتها المنظمة، فقد أسفر إطلاق النار عن إصابة الشقيقين ونقلهما إلى مستشفى سيئون العام، قبل أن يفارق مناف الحياة متأثراً بإصابته، فيما لا يزال شقيقه يتلقى العلاج من إصابات وُصفت بالخطيرة.
وفي مدينة عدن، أفادت المعلومات التي تلقتها المنظمة من فريقها الميداني بإصابة الشاب نسيم عبدالله علي بن جاحور (28 عاماً) مساء 8 يونيو 2026 بإصابة خطيرة في الرأس جراء إطلاق نار خلال الاحتجاجات التي شهدتها منطقة جولة السفينة بمديرية دار سعد، وقد نقل على إثرها إلى مستشفى عدن الألماني حيث أُدخل العناية المركزة في حالة حرجة.
و تشير المنظمة إلى اطلاعها على مقطع فيديو يوثق لحظة إصابة الشاب نسيم برصاص أطلقه أحد أفراد القوات الأمنية، ويظهر كذلك نقل المصاب على متن مركبة تابعة لها عقب إصابته.
وفي سياق متصل، تشير المنظمة إلى أن القوات الأمنية والعسكرية نفذت منذ 8 يونيو 2026 سلسلة من الانتهاكات المرافقة للاحتجاجات في مدينة عدن، شملت حملات اعتقال طالت عدداً من المشاركين في مناطق متعددة، بينها دار سعد وكريتر ومحيط قصر معاشيق، قبل أن يتم الإفراج عن عدد من المحتجزين لاحقاً، إلى جانب رصد مقاطع مصورة توثق استخدام القوة المفرطة أثناء عمليات الاعتقال، بما في ذلك الاعتداء على محتجين بأعقاب البنادق، واستخدام مدرعات عسكرية في تفريق المتظاهرين بمدينة كريتر يوم 10 يونيو 2026 عبر مناورات ترهيبية قرب التجمعات، فضلاً عن إطلاق نار حي لتفريق المحتجين، بما يثير مخاوف جدية بشأن مدى الالتزام بالمعايير القانونية المنظمة لاستخدام القوة.
نمط التعامل مع الاحتجاجات والأثر الإنساني واستدامة الانتهاكات
تؤكد “صحفيات بلاقيود” أن هذه الوقائع تكشف عن نمط مقلق في التعامل مع الاحتجاجات السلمية باعتبارها ملفاً أمنياً يدار بمنطق القوة، بدلاً من كونها تعبيراً مشروعاً عن حقوق مدنية وسياسية مكفولة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في التجمع السلمي وحرية التعبير والحق في التظاهر. ويؤدي هذا النهج إلى توسيع دائرة الانتهاكات، وإضعاف الضمانات القانونية الواجبة، وتعميق حالة الاحتقان المجتمعي، بما ينعكس سلباً على الاستقرار المجتمعي وسيادة القانون.
وتحذر المنظمة من أن استمرار غياب المساءلة الفعالة عن الانتهاكات المرتكبة في سياق إدارة الاحتجاجات العامة يسهم في ترسيخ بيئة إفلات من العقاب، ويعيد إنتاج أنماط الانتهاكات ذاتها بصورة متكررة، كما أن الإخفاق في فتح تحقيقات جدية ومستقلة وشفافة في هذه الوقائع من شأنه أن يعزز احتمالات تكرارها مستقبلاً ويقوض ثقة المجتمع بمؤسسات إنفاذ القانون والعدالة.
وتؤكد المنظمة أن معالجة جذور هذه الاحتجاجات لا يمكن أن تتم عبر القمع أو استخدام القوة أو تقييد الحريات العامة، وإنما من خلال الاستجابة الفعلية والملموسة للمطالب المشروعة للمواطنين، وفي مقدمتها معالجة أزمة الكهرباء وتحسين الخدمات الأساسية، وضمان ممارسة الحق في التعبير والتجمع السلمي دون خوف من الانتقام أو الملاحقة.
وتشير المنظمة إلى أن هذه الانتهاكات تأتي في سياق أوضاع إنسانية ومعيشية متدهورة في مدينتي عدن وسيئون ومناطق اخرى نتيجة الانهيار المستمر في الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء، ما انعكس بشكل مباشر على مختلف مناحي الحياة اليومية، وأدى إلى تدهور القدرة على الوصول إلى خدمات أساسية، بما في ذلك الخدمات الصحية.
كما توضح المنظمة أن الفئات الأشد ضعفاً، ولا سيما كبار السن وذوي الأمراض المزمنة والأطفال، هم الأكثر تضرراً من استمرار هذا الوضع، في ظل ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير خلال فصل الصيف وتعطل بعض الخدمات الصحية الأساسية، الأمر الذي فاقم من حدة المعاناة الإنسانية ورفع من مستوى المخاطر التي تواجهها هذه الفئات.
وتؤكد المنظمة في هذا السياق أن استمرار هذا التدهور دون معالجات مستدامة يهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية، ويعمق مستويات الهشاشة الاجتماعية، ويجعل الفئات الضعيفة أكثر عرضة للضرر، في ظل غياب تدخلات عاجلة وفعالة لمعالجة الأسباب الجذرية للأزمة.
انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان
تؤكد منظمة “صحفيات بلاقيود” أن استخدام الذخيرة الحية ضد تجمعات سلمية مارست حقها المكفول في التجمع السلمي والتعبير، وما أسفر عنه ذلك من سقوط قتيل وعدد من الجرحى، يمثل انتهاكاً جسيماً ومباشراً للحق في الحياة والسلامة الجسدية، واستخداماً غير مشروع للقوة المميتة المحظورة في مواجهة تجمعات مدنية محمية قانوناً، وفقاً لـالمادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون (1990).
وتشدد المنظمة على أن اللجوء إلى إطلاق النار الحي في سياق احتجاجات سلمية يشكل انتهاكاً صارخاً لا يندرج ضمن أي تقييد مشروع للحق في التجمع، بل يرقى إلى عمليات قتل خارج نطاق القانون وإصابات جسيمة ناجمة عن استخدام غير مشروع للقوة، بما يتعارض مع التزامات الدول بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، ويستوجب المساءلة الجنائية الفردية المباشرة دون استثناء أو حصانة.
كما تؤكد المنظمة أن ما رافق هذه الأحداث من اعتقالات طالت مشاركين في احتجاجات سلمية، وما صاحبها من اعتداءات جسدية وسوء معاملة أثناء التوقيف والنقل، يمثل انتهاكاً صارخاً للحق في الحرية والأمان الشخصي، المحمي بموجب المادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وبموجب مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن (قرار الجمعية العامة 43/173)، إضافة إلى الحظر المطلق للتعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة المنصوص عليه في اتفاقية مناهضة التعذيب (CAT).
وتشدد المنظمة على أن استهداف الأفراد بسبب ممارستهم لحقهم في التجمع السلمي والتعبير يشكل انتهاكاً مباشراً وجسيماً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك المادة (21) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المتعلقة بالحق في التجمع السلمي، والمادة (19) المتعلقة بحرية التعبير، ويقع ضمن أنماط الاحتجاز التعسفي المحظور وفقاً لمعايير فريق العمل المعني بالاحتجاز التعسفي (WGAD)، بما يستوجب مساءلة جنائية فردية عاجلة لجميع المسؤولين عنه دون استثناء أو حصانة.
دعوة للمساءلة والإصلاح
تدعو منظمة “صحفيات بلا قيود” السلطات المعنية إلى فتح تحقيقات مستقلة ومحايدة وعاجلة في جميع حوادث القتل والإصابة والانتهاكات المرتبطة بالاحتجاجات في عدن وسيئون، ونشر نتائجها للرأي العام، ومساءلة جميع المسؤولين عن إصدار الأوامر أو تنفيذ استخدام غير مشروع للقوة.
كما تطالب بالإفراج الفوري عن جميع المحتجزين على خلفية ممارسة حقهم في التجمع والتعبير، وضمان عدم ملاحقتهم، وتوفير الرعاية الطبية للمصابين، وجبر الضرر للضحايا وأسرهم وفقاً للقانون.
وتشدد على ضرورة حماية الحق في التجمع السلمي وحرية التعبير، وعدم إشراك التشكيلات العسكرية في إدارة الاحتجاجات المدنية، وقصر هذه المهام على الجهات المختصة وفقاً للقانون وللالتزامات الدولية.
كما تدعو المنظمة الحكومة إلى اتخاذ خطوات عاجلة وفعالة لمعالجة أزمة الكهرباء وتحسين الخدمات الأساسية بوصفها متطلبات جوهرية لإعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وكونها من الأسباب المباشرة التي أدت إلى اندلاع هذه الاحتجاجات وتفاقمها.
وتؤكد “صحفيات بلاقيود” في ختام بيانها أن حماية الحق في الحياة والحرية والسلامة الجسدية، ومكافحة الإفلات من العقاب، تمثل التزامات قانونية واجبة النفاذ، وأن أي استجابة للاحتجاجات يجب أن تقوم على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.


Ar
En