البيانات الصحفية

الإمارات: تمييز وترحيل ضد الباكستانيين

الإمارات: تمييز وترحيل ضد الباكستانيين

تعرب منظمة صحفيات بلاقيود، عن بالغ قلقها إزاء التقارير المتواترة والشهادات بشأن حملة احتجاز وترحيل واسعة طالت رعايا باكستانيين مقيمين في دولة الإمارات العربية المتحدة، في سياق التوترات الإقليمية المتصاعدة خلال عام 2026.

تشير التقارير المتطابقة إلى أن حملة الترحيل استهدفت بشكل أساسي أفراداً من الطائفة الشيعية. ووفقاً لتقديرات قادة دينيين ومنظمات حقوقية، فقد طال هذا الإجراء نحو 15,000 شخص، أي ما يعادل 5,000 عائلة باكستانية. وبينما تلتزم الحكومة الباكستانية الصمت أو تنفي وجود ترحيل جماعي بدوافع طائفية، تؤكد الشهادات الميدانية وجود نمط منظم من الاستهداف.

تؤكد صحفيات بلاقيود أن خطورة هذه القضية لا تكمن فقط في عدد المتضررين المحتملين، بل في طبيعة المزاعم ذاتها: ترحيل مفاجئ، احتجاز دون إبلاغ واضح بالأسباب، حرمان من فرصة الطعن أو تسوية الالتزامات المالية، ومؤشرات على استهداف قائم على الانتماء الديني أو الطائفي. وقد أوردت تقارير صحفية أن عدداً من المرحّلين كانوا يقيمون ويعملون في الإمارات منذ سنوات طويلة، وبعضهم منذ عقود، وأن بعضهم أعيد إلى باكستان دون تمكينه من الوصول إلى مدخراته أو ترتيب أوضاع أسرته وممتلكاته.

إن منظمة صحفيات بلاقيود، وهي تتابع هذه التطورات، تذكّر بأن التعامل مع المهاجرين والعمال الأجانب لا يجوز أن يُختزل في منظور أمني أو سياسي، ولا يجوز أن يتحول التوتر الجيوسياسي إلى غطاء لإجراءات جماعية تمس الحق في الكرامة، والحرية، والمحاكمة العادلة، وعدم التمييز، وحماية الملكية، ووحدة الأسرة، والحق في الانتصاف الفعال.

شهادات الضحايا وآليات الاستهداف الطائفي

تجمع شهادات الضحايا على وجود آلية أمنية دقيقة لتحديد الهوية المذهبية قبل الاعتقال، شملت فحص الأسماء الممثلة للطائفة مثل "علي" و"حسين" و"عباس". وأفاد عاملون ومحترفون، مثل "طه" الذي عمل لأكثر من عقد في هيئة الطرق والمواصلات بدبي، بأنه تم اعتقالهم من أماكن عملهم دون سابق إنذار بعد ظهور صورهم في أنظمة الشرطة. ولم تقتصر الإجراءات على استجواب مباشر، بل شملت توقيف أشخاص في الأماكن العامة مثل مراكز التسوق وتفتيش هواتفهم الشخصية.

تواترت تقارير تفيد باستخدام السلطات الإماراتية لتقنيات المسح البيومتري وتتبع الهوية عبر البطاقة (Emirates ID) في المواقع الدينية والمساجد الشيعية لتحديد المستهدفين. وروى أحد المتخصصين في تقنية المعلومات أنه تعرض للترحيل رغم كونه سنياً، لمجرد زيارته لمركز تجمع شيعي (إمام بارگاه) مع أحد أصدقائه. وتؤكد هذه الروايات أن الحملة اعتمدت على مراقبة دقيقة للممارسات الدينية والانتماءات المذهبية كمعيار أساسي للإبعاد.

أفاد العديد من المرحلين بأنهم لم يمنحوا أي فرصة للاعتراض القانوني أو فهم طبيعة التهم الموجهة إليهم، حيث كان السؤال المتكرر من ضباط الأمن يدور حول المذهب الديني فقط. ووصف "زاهر خان" تجربته عندما سأله الضباط عن مذهبه، وعندما أجاب بأنه شيعي، أخبروه أن "هذا يوضح كل شيء" دون مزيد من الإيضاح. وتظهر هذه الشهادات غياباً تاماً لمبادئ المحاكمة العادلة والشفافية الإدارية في التعامل مع الرعايا الباكستانيين خلال هذه الأزمة.

وتشير شهادة محاسب باكستاني يُدعى علي عباس، قال إنه عمل 15عاماً في مؤسسة حكومية إماراتية قبل أن يُبلّغ فجأة بإلغاء تأشيرته وترحيله في اليوم نفسه، واصفاً ما جرى بأنه دمر مساراً مهنياً بناه على مدى سنوات. كما نقلت الصحيفة شهادة أخرى لمقيم باكستاني قال إنه اعتُقل أمام مكتبه، وصودر هاتفه وحاسوبه، ثم أُرسل إلى مركز احتجاز كان يضم باكستانيين شيعة آخرين، وصرّح بأنه عومل “كمجرم”.

وتشير صحفيات بلاقيود إلى أن وجود توترات إقليمية، مهما بلغت حدتها، لا يبرر التمييز الجماعي أو العقاب بالاشتباه أو اتخاذ إجراءات إدارية قاسية على أساس الهوية الدينية أو الأصل الوطني. إن حماية الأمن الوطني حق مشروع للدول، لكنه حق مقيد بمبادئ الضرورة والتناسب والمشروعية وعدم التمييز، وبالالتزامات الدولية الأساسية التي تمنع الاحتجاز التعسفي والطرد الجماعي والمعاملة المهينة أو اللاإنسانية.

ظروف الاحتجاز القسري وسوء المعاملة

وصفت الشهادات الميدانية ظروف الاحتجاز في مراكز مثل "العوير" و"جبل علي" بأنها غير إنسانية وتفتقر لأدنى المعايير الدولية. وأفاد محتجزون سابقون بتعرضهم للضرب والاعتداء الجسدي، بما في ذلك حالة رجل مسن خضع لعملية جراحية في ساقه تم ضربه لعدم قدرته على الجثو. كما أبلغ آخرون عن تعرضهم للتفتيش العاري المهين والتهديد بنشر لقطات مصورة لهم على وسائل التواصل الاجتماعي لترهيبهم ومنعهم من الحديث بعد ترحيلهم.

كانت إجراءات الاحتجاز تتسم بالإذلال النفسي، حيث أُجبر المعتقلون على ارتداء ملابس السجن الزرقاء، وهو ما جعلهم يشعرون بأن حياتهم المهنية قد انتهت تماماً. ووصف الضحايا وجبات الطعام بأنها غير صالحة للاستهلاك الآدمي، فضلاً عن تقييد حركتهم وإجبارهم على إبقاء رؤوسهم منخفضة تحت الطاولات لفترات طويلة. ولم يُسمح للعديد منهم بالتواصل مع عائلاتهم أو إبلاغهم بمكان تواجدهم، مما أدى إلى حالة من الذعر بين ذوي المعتقلين.

انتهت رحلة المعاناة داخل مراكز الاحتجاز بترحيل فجائي، حيث نُقل العمال في دفعات يومية تتجاوز 100 شخص إلى المطارات. وأُجبر المرحلون على مغادرة البلاد بالملابس التي كانوا يرتدونها لحظة الاعتقال، دون منحهم فرصة لجمع متعلقاتهم الشخصية أو تسوية أوضاعهم المعيشية. ويتهم العمال القنصلية الباكستانية إنه تم إصدار وثائق سفر طارئة (Outpass) تدرج سبب الترحيل تحت بنود مبهمة مثل "مسجون" أو "هارب"، مما يعيق قدرتهم على العودة للعمل مستقبلاً.

وتشير صحفيات بلاقيود إلى أن الشهادات تشكل عند تكرارها وتطابق أنماطها، أساساً كافياً للمطالبة بتحقيق مستقل. فحين تتعدد الروايات حول الإبعاد المفاجئ، ومصادرة الهواتف، والحرمان من الوصول إلى الحسابات البنكية، وإلغاء التأشيرات دون إنذار أو مسار طعن واضح، تصبح القضية ذات طابع حقوقي عام لا يمكن تجاهله بوصفها مجرد خلاف إداري أو هجرة اعتيادية.

التكييف القانوني والانتهاكات المالية والاقتصادية

تُشكل عمليات الإبعاد الجماعي خرقاً جسيماً للمادة 13 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تحظر طرد الأجانب دون إجراءات قانونية عادلة. كما تنتهك هذه الإجراءات المادة 3 من اتفاقية مناهضة التعذيب، التي تلتزم بها الإمارات، والتي تحظر الإعادة القسرية لأي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه للخطر أو سوء المعاملة. ويعد الاستهداف القائم على المذهب الديني انتهاكاً مباشراً لمبدأ المساواة وعدم التمييز المنصوص عليه في المواثيق الدولية والإقليمية.

على الصعيد الاقتصادي، أدت هذه الحملة إلى تجميد الحسابات البنكية للمرحلين ومنعهم من سحب مدخراتهم، مما يشكل انتهاكاً صارخاً للحق في الملكية. وفقد مهنيون ورجال أعمال أصولاً وممتلكات تقدر بملايين الدولارات نتيجة المنع المفاجئ من الدخول وتجميد الأرصدة. ويعد هذا الإجراء ضربة قوية للعمالة التي تمثل مصدراً حيوياً للتحويلات المالية لباكستان، والتي بلغت قيمتها أكثر من 8 مليارات دولار سنوياً.

تُعد هذه الانتهاكات الاقتصادية بمثابة عقاب جماعي يطال العائلات التي تعتمد على هذه الأجور للبقاء، خاصة في المناطق الفقيرة مثل "غيلغيت بالتستان". ويخالف سلب الحقوق المالية اتفاقيات العمل الدولية التي تحمي الأجر وحق العامل في استلام مستحقاته عند إنهاء الخدمة. إن غياب أي تعويض مادي أو آلية لاسترداد الأموال المجمودة يضع آلاف المرحلين في حالة من الفقر المدقع والديون المتراكمة بعد فقدانهم لسبل عيشهم الوحيدة.

تؤكد منظمة صحفيات بلاقيود أن الطرد الجماعي للعمال المهاجرين أو المقيمين الأجانب، دون دراسة فردية لكل حالة، ودون تمكين المتضررين من الطعن أو عرض ظروفهم الخاصة، يمثل انتهاكاً جسيماً للمعايير الدولية. وتنص الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم على أن العمال المهاجرين وأفراد أسرهم لا يجوز أن يخضعوا لتدابير طرد جماعية، وأن كل حالة طرد يجب أن تُفحص وتُقرر بصورة فردية.

ومع أن الإمارات ليست طرفاً في بعض الصكوك الدولية ذات الصلة، فإن منظمة صحفيات بلاقيود تشدد على أن غياب المصادقة على معاهدة بعينها لا يعفي الدولة من احترام الحد الأدنى من مبادئ العدالة الإجرائية وعدم التمييز. كما أن أي ترحيل يعرّض الشخص لخطر جدي بالتعذيب أو سوء المعاملة أو الاضطهاد أو الحرمان التعسفي من الحقوق الأساسية يجب أن يخضع لمراجعة مستقلة وفردية قبل التنفيذ.

التوصيات والمساءلة الدولية

يتوجب على المجتمع الدولي والآليات الأممية مطالبة دولة الإمارات بفتح تحقيق فوري ومستقل في ادعاءات الترحيل التعسفي والتمييز الطائفي. ويجب على المقررين الخاصين المعنيين بحقوق المهاجرين والحريات الدينية تقديم طلبات عاجلة لزيارة مراكز الاحتجاز والتحقق من الشهادات. كما يُنصح المتضررون بتقديم شكاوى رسمية إلى لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة للطعن في شرعية الإجراءات المتخذة بحقهم.

وتدعو صحفيات بلاقيود منظمة العمل الدولية والمنظمة الدولية للهجرة إلى متابعة أوضاع العمال الباكستانيين المرحلين، وتوثيق الأثر الاقتصادي والاجتماعي على الأسر، ولا سيما في ضوء اعتماد ملايين الأسر الباكستانية على تحويلات العاملين في الخليج. وتشير تقارير صحفية إلى أن أكثر من مليوني باكستاني يعيشون ويعملون في الإمارات، ويرسلون تحويلات مالية كبيرة إلى بلدهم، ما يجعل أي حملة ترحيل واسعة ذات أثر إنساني واقتصادي يتجاوز الأفراد إلى عائلات ومجتمعات بأكملها.

على الحكومة الباكستانية التخلي عن نهج الإنكار وتفعيل دورها في حماية رعاياها من خلال الضغط الدبلوماسي لاسترداد حقوقهم المالية المنهوبة. وينبغي توفير مراكز استقبال ودعم قانوني ونفسي للمرحلين، وتوثيق كافة الحالات لاستخدامها في المحافل الدولية للمطالبة بالتعويضات. إن صمت الحكومة تجاه انتهاك حقوق مواطنيها يساهم في تشجيع استمرار هذه الممارسات التعسفية دون مساءلة.

توصي صحفيات بلاقيود المنظمات الحقوقية بضرورة أن تتضمن الاتفاقات التجارية الدولية مع الإمارات ضمانات واضحة لحقوق العمال وحمايتهم من الترحيل الجماعي التعسفي. ويجب على الشركات الدولية العاملة في الإمارات مراجعة سياساتها لضمان عدم تورطها في إنهاء عقود الموظفين بناءً على انتماءاتهم المذهبية أو السياسية. إن حماية الكرامة الإنسانية للعمال المهاجرين يجب أن تسمو فوق أي اعتبارات سياسية أو أمنية عابرة لضمان استقرار المنطقة واحترام القانون الدولي.

Image