البيانات الصحفية

إيران: فظائع ومجازر تحت التعتيم

إيران: فظائع ومجازر تحت التعتيم

تعرب منظمة "صحفيات بلا قيود"، عن فزعها الشديد إزاء التدهور الكارثي لحالة حقوق الإنسان في إيران منذ مطلع عام 2026. إن التقارير الموثقة والأدلة القانونية التي تم جمعها تشير بما لا يدع مجالاً للشك إلى أن السلطات الإيرانية تنفذ حملة منهجية من "الجرائم ضد الإنسانية"، مستخدمة القوة الفتاكة والتعتيم الإعلامي الشامل لسحق شعبها.

 تُظهر الإحصائيات الموثقة في 31 محافظة، حتى 6 فبراير/ شباط، حجم الكارثة؛ حيث تجاوز عدد القتلى 6000 قتيل، وتجاوز عدد المعتقلين 50.000 شخص معظمهم. هذا المشهد الدموي يعكس "دوامة الإفلات من العقاب" المتجذرة في هيكلية الدولة، حيث تُستخدم القوة المميتة كأداة وحيدة لفرض السيطرة. ويأتي هذا القمع مدعوماً بـ "هندسة تعتيم" استراتيجية تهدف إلى عزل الداخل عن الخارج لإخفاء معالم المجازر الميدانية.

التهديد بالتدخل العسكري أحادي الجانب أو القيام به من قبل دول ثالثة يتعارض جوهرياً مع القانون الدولي. لكن استخدامها كمبررات لارتكاب انتهاكات وجرائم ضد الانسانية ضد مواطنيها لا تشكل بأي حال من الأحوال مسوغاً قانونياً أو عذراً يعفي الدول من التزاماتها الأساسية، إن حماية حقوق الإنسان واحترام كرامة الفرد هي التزامات "آمرة" تقع على عاتق كل دولة تجاه مواطنيها وتجاه المجتمع الدولي ككل.

وقالت السيدة توكل كرمان رئيسة منظمة صحفيات بلاقيود (الحائزة على جائزة نوبل للسلام 2011): إن ما نشهده اليوم في المدن الإيرانية هو ارتداد عنيف وخطير عن مبادئ المسؤولية السياسية. فبعد أن تبنى بعض ممثلي الحكومة الإيرانية في البداية نبرة تصالحية ومراوغة مع الاحتجاجات المتصاعدة —في محاولة لامتصاص الغضب الشعبيسرعان ما سقطت الأقنعة وانزلقت السلطات نحو ممارسة العنف المفرط ضد مواطنيها العزل، وبشكل وحشي لا يمكن وصفه إلا بكونه جريمة ضد الإنسانية.

 

أولاً: حرب إبادة صامتة

فحصت صحفيات بلاقيود مقاطع فيديو وصور منتشرة تُظهر قيام قوات الأمن باستخدام الذخيرة الحية ضد حشود من المتظاهرين السلميين ولا يبدو أنهم يشكلون أي تهديد على أرواح هؤلاء الجنود. ووثقت استخدام السلطات للقوة غير القانونية والمميتة منذ 8 يناير/كانون الثاني، بما في ذلك وقوع مجازر دموية بلغت ذروتها في 8 و9 يناير 2026، حيث تحولت المدن الإيرانية إلى ساحات قتل مفتوحة للمتظاهرين والمارة، أصيبوا بطلقات نارية في رؤوسهم وأجسادهم. وارتكبت السلطات هذه الفظائع وسط إغلاق شامل للإنترنت وقيود على الاتصالات فرضتها لإخفاء الحجم الحقيقي للجرائم ضد الإنسانية.

وتشير الإحصائيات المستقلة إلى مقتل ما يقرب من 6,900 شخصاً، بينهم 156 طفلاً، في حين تتحدث تقارير المقرر الخاص للأمم المتحدة عن مقتل ما لا يقل عن 5,000 شخص. إن التباين بين هذه الأرقام والرواية الرسمية (التي اعترفت بـ 3,117 قتيلاً فقط بينهم 300 من عناصر قوات الأمن التابعة لها) يؤكد محاولات النظام للتستر على حجم الفظائع المرتكبة.

كما وصل عدد الجرحى إلى أكثر من 11 ألف شخص. وبحسب التقارير، تم استخدام بنادق الصيد (الخرطوش) ذات الكرات المعدنية من مسافة قريبة وإطلاقها باتجاه وجوه الضحايا؛ وهو نمط استخدمته السلطات لإصابة المتظاهرين بالعمى في احتجاجات 2022 "امرأة، حياة، حرية".

ووثقت صحفيات بلا قيود انتشار وحدات أمن من الحرس الثوري ترتدي زي مموه، مزودة بأسلحة ثقيلة ورشاشات مثبتة على مركبات مدنية في المناطق السكنية. واستخدام الذخيرة الحية وبنادق الرش؛ حيث تم توثيق إصابة 500 شخص في منطقة العين في مستشفى واحد فقط في أصفهان بحلول 10 يناير.

جرى توثيق استخدام تجميد الآيس كريم والمواد الغذائية لنقل جثث الضحايا وتكديسها في مشهد يعكس أقصى درجات "نزع الإنسانية عن الموتى". كما جرى توثيق قيام السلطات بابتزاز العائلات بدفع مبالغ تتراوح بين 750 مليون إلى مليار تومان مقابل تسليم احبائهم، مع إجبارهم على التوقيع على إقرارات تدعي أن أبناءهم كانوا من "البسيج".

كما وثقت تقارير عمليات دفن الضحايا سراً في مقابر جماعية كما حدث في "مشهد" دون إخطار ذويهم، وهو إجراء يهدف لتجاوز الرقابة الجنائية وإخفاء حجم المجزرة.

 

ثانياً: الاعتقالات.. وحظر الانترنت

تشير أحدث البيانات المجمعة حتى اليوم الأربعين من الاحتجاجات التي بدأت في 28 ديسمبر/كانون الأول إلى أن إجمالي عدد المعتقلين قد وصل إلى رقم غير مسبوق بلغ 51,251 معتقلاً؛ أكثر من 40,000 من هؤلاء محتجزون في مراكز احتجاز وسجون ومرافق سرية تابعة للحرس الثوري الإيراني ووزارة الاستخبارات؛ معظمهم طلاب ومعلمون وعمال وناشطون وعاطلون عن العمل. وتتم هذه الاعتقالات بشكل تعسفي وواسع النطاق، حيث يتم احتجاز الأشخاص بمعزل عن العالم الخارجي، دون إمكانية الوصول إلى محامين أو أفراد العائلات، ودون أي رقابة قضائية حقيقية.

وجرى توثيق تعرض المعتقلين والمخفيين قسراً حيث تعرضوا للضرب، الصعق بالكهرباء، الإعدام الوهمي، والتعليق من المعصم أو الرقبة. ووثقت شهادات استخدام الاغتصاب والعنف الجنسي ضد المعتقلين (نساءً ورجالاً وأطفالاً) كوسيلة لكسر إرادتهم وانتزاع اعترافات.

وتواجه إيران اتهامات مُزمنة بانتزاع اعترافات تحت التعذيب، وسجلت أنماط عديدة منذ مطلع العام على ضغوط توجه للمعتقلين "للاعتراف ضد النفس والآخرين" مع حظر وصولهم إلى المحامين. من بين الحالات مقتل الطفلة بهار (عامين) التي قُتلت برصاصة في الرأس في نيسابور، حيث ظهر والدها في فيديو دعائي وهو يتلقى "تلقيناً" من صوت خلف الكاميرا لاتهام "إرهابيين" بقتلها.

وبث الإعلام الحكومي مئات الاعترافات القسرية تحت التعذيب من بينها.   حالة محمد عباسي (55 عاماً)، استندت المحكمة إلى لقطات كاميرات مراقبة (CCTV) لا يمكن فيها تحديد هوية الجاني، ومع ذلك حُكم عليه بالاعدام بناءً على اعترافات انتُزعت تحت التهديد، إلى جانب ابنته! وفي حالة الطفل شيروين باقريان (17 عاماً)، الذي ظهر يبكي في فيديو مسجل لعدم فهمه معنى تهمة "المحاربة" التي تهدد حياته؛ ومع ذلك طالب المحققون بإعدامه بدلاً من تقديم التفسير القانوني للمعنى.

وقالت صحفيات بلاقيود إن استخدام لقطات فيديو غامضة (كما في حالة عباسي) واستغلال جهل القاصرين بالمصطلحات القانونية لترويعهم (كما في حالة باقريان) يؤكد أن المحاكم الثورية تفتقر لأدنى شروط العدالة.

وأضافت: "نحن بصدد توثيق هذه الفيديوهات كأدلة بصرية على "التعذيب النفسي" و"الإكراه" لتقديمها إلى الآليات الدولية للمساءلة."

وفي انتهاك صارخ للحق في الوصول إلى المعلومات، فرضت السلطات تعتيماً رقمياً شبه كامل، عازلةً أكثر من 90 مليون مواطن عن العالم الخارجي بهدف طمس معالم الجرائم المرتكبة. ولم يكتفِ النظام بذلك، بل شن حملة مسعورة ضد شهود الحقيقة، حيث وثقت التقارير اعتقال أكثر من 24 صحفياً، إلى جانب استهداف المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان، ومصادرة الهواتف المحمولة من الضحايا لمنع توثيق الأدلة.

 

ثالثاً: انهيار العدالة ومقصلة الإعدامات

كما تدين "صحفيات بلا قيود" تحويل النظام القضائي في إيران إلى أداة للقتل السياسي. فبعد عام دموي (2025) شهد تنفيذ أكثر من 2,000 عملية إعدام، صعدت السلطات من وتيرة "القتل القضائي" عبر محاكمات صورية تفتقر لأدنى معايير العدالة.

 يتم توجيه تهم فضفاضة مثل "الحرابة" للمتظاهرين، وسط تقارير موثوقة عن تنفيذ إعدامات سرية داخل السجون، مثل حالة علي رهبر (33 عاماً، مدرب رياضي) اعتُقل في 8 يناير 2026 في مشهد. تلقت عائلته معلومات تفيد بإعدامه سراً في سجن "وكيل آباد" المركزي يوم 22 يناير واستخدام الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب كدليل وحيد للإدانة؛ وفي 23 يناير، نشرت وكالة "ميزان" التابعة للسلطة القضائية نفياً قاطعاً، مدعية ألا وجود شخص بهذا الاسم محتجز، فضلاً عن إصدار حكم إعدام بحقه. ومع ذلك نشرت السلطات في الأول من فبراير/شباط قائمة تضم قرابة 3000 شخص قتلوا على خلفية الاحتجاجات، وذكر فيها اسم "رهبر" (في السطر 1285).

كما جرى تفعيل ملاحظة في المادة 48 (أضيفت في 2015) التي تحصر الدفاع في "الجرائم المرتبطة بالأمن الداخلي" في "قائمة محامين معتمدين من الحكومة"، مما خلق "احتکاراً للدفاع" لصالح السلطة واعتقال 9 محامين مستقلين (مثل شيما قوشة).

وقالت صحفيات بلاقيود إن اعتقال المحامين، وتفعيل الملاحظة في المادة 48 يعني أن النظام الإيراني قد أغلق "باب العدالة" بالشمع الأحمر. نحن أمام منظومة قضائية لا تكتفي بعدم حماية المواطن، بل تحرمه من حقه في الدفاع عن نفسه، وهو ما يشكل انتهاكاً جوهرياً للمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وأضافت: الجمع بين الإعدامات السرية (كما في حالة رهبر)، والمحاكمات السريعة لقاصرين (مثل شروين)، والأرقام القياسية للإعدامات، يؤكد أن النظام الإيراني يستخدم حبل المشنقة كخط دفاعه الأخير لترويع المجتمع، وهو ما يستدعي تفعيلاً عاجلاً للولاية القضائية العالمية لمحاسبة القضاة والمسؤولين المتورطين في هذه الجرائم.

 

رابعاً: عسكرة الطب وانتهاك حرمة الحياة

في سابقة خطيرة تنتهك كافة المواثيق الدولية والإنسانية، وثقت المنظمة تحويل المستشفيات إلى "فخاخ" للموت والاعتقال. تشير الشهادات الطبية إلى وجود أوامر بمنع علاج المتظاهرين، وفصل أجهزة الإنعاش عنهم وتركهم للموت عمداً، كما حدث في لورستان. كما جرى توثيق تحويل مستشفى في طهران إلى مركز أمني رفض استقبال جرحى "لأسباب سياسية"، مما أدى لوفاتهم.

ووثقت حالات اعتقالات من فوق أسرة المستشفيات ومداهمة غرف العمليات، وتصفية جرحى. وجرى مداهمة المستشفيات للحصول على بيانات المرضى البنكية لتتبعهم أمنياً،

لقد تم توثيق اعتقال 40 كادراً طبياً، بينهم الدكتور بابك زرابيان (أخصائي الأمراض المعدية في أصفهان)  والدكتورة جلنار نراقي (أخصائية طب الطوارئ في طهران)، لمجرد تقديمهم المساعدة للجرحى، مما أدى لترهيب المتطوعين ودفع المصابين للبحث عن "علاج سري" غير آمن.

وأشارت السيدة توكل كرمان: "عندما تتحول المستشفيات إلى فخاخ للموت بأوامر 'دعوهم يموتون'، وعندما يُساق الأطفال إلى المشانق بتهم لا يفهمون معناها، فإن الإدانات الدبلوماسية تصبح بلا معنى. إن العالم يقف اليوم أمام اختبار أخلاقي سقط فيه حتى الآن؛ فكل دقيقة صمت دولي يدفع ثمنها شباب وشابات إيران بدمائهم في الشوارع، أو بأرواحهم على أعواد المشانق."

واختتمت تصريحها بدعوة عاجلة: "إننا نطالب بتدخل دولي فوري يتجاوز لغة القلق. يجب تفعيل الولاية القضائية العالمية لملاحقة قادة النظام الإيراني كمجرمي حرب، والضغط الفوري لكسر التعتيم المعلوماتي. إن حماية الصحفيين والأطباء والمحامين في إيران هي الخطوة الأولى والأساسية لوقف هذه المجزرة المستمرة."

 

توصيات

تؤكد منظمة "صحفيات بلا قيود" على المسؤولية الأخلاقية للمجتمع الدولي للتدخل وكسر دائرة الدماء.

توصيات موجهة للحكومة الإيرانية:

·       الوقف الفوري لجميع أحكام الإعدام وإطلاق سراح المعتقلين تعسفياً، خاصة الأطفال والنساء.

·       إنهاء "الحصار الرقمي" وضمان حرية تداول المعلومات.

توصيات للمجتمع الدولي:

·       تفعيل "الولاية القضائية الدولية" لملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية. ودعم عمل لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة.

·       فرض عقوبات مستهدفة على المسؤولين القضائيين والأمنيين.

·       الضغط الفوري لإعادة خدمات الإنترنت وضمان تدفق المعلومات بحرية، وحماية الصحفيين والمحامين من الاستهداف الممنهج.

·       توجيه نداء عاجل لآليات ووكالات الأمم المتحدة المعنية لفتح تحقيق دولي مستقل في "عسكرة المؤسسات الطبية" الإيرانية وتصفية الجرحى داخل المستشفيات.

·        التحرك الدبلوماسي العاجل لوقف تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة بحق المتظاهرين، والكشف عن مصير آلاف المختفين قسرياً.

إن الصمت أمام هذه الفظائع هو تواطؤ غير مقبول، وحماية أرواح الأبرياء في إيران هي مسؤولية قانونية وأخلاقية تقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره.

 

Author’s Posts

مقالات ذات صلة

Image