البيانات الصحفية

سوريا: الاشتباكات تهدد حرية الصحافة وسلامة الصحفيين

سوريا: الاشتباكات تهدد حرية الصحافة وسلامة الصحفيين

حذّرت منظمة «صحفيات بلا قيود» من التداعيات الخطيرة للاشتباكات المسلحة في سوريا، على الحقوق الإنسانية الأساسية للسوريين، ولا سيما حرية الصحافة وسلامة الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي.

وخلال الأيام الماضية، اندلعت الاشتباكات بين القوات الحكومية من جهة، والتشكيلات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة من جهة أخرى، في أحياء بمدينة حلب، وبعد توقف قصير إلا أن الأوضاع في ريف المحافظة تُنذر بتجدد المواجهات.
وقالت صحفيات بلا قيود إنها رصدت، خلال الأيام الماضية، حزمة من الانتهاكات الجسيمة التي طالت صحفيين ومؤسسات إعلامية في سياق التصعيد العسكري، بما يعكس هشاشة البيئة الإعلامية واستمرار استهداف الصحافة في مناطق النزاع.

استهداف منشأة مدنية
وأوضحت «صحفيات بلا قيود» أنه في 10 كانون الثاني/يناير الجاري، استهدفت طائرة مسيّرة مبنى محافظة حلب بالتزامن مع انعقاد مؤتمر صحفي رسمي، حضره محافظ حلب عزام الغريب، ووزير الإعلام حمزة المصطفى، ووزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، وبمشاركة عدد من الصحفيين ووسائل الإعلام المحلية والدولية.
وبحسب مصادر حقوقية سورية، فإن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تقف وراء هذا الهجوم. واعتبرت المنظمة أن استهداف مبنى مدني محمي بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما أثناء انعقاد مؤتمر صحفي، يُعد انتهاكًا صارخًا يرقى إلى جريمة حرب، نظرًا لما يشكله من تهديد مباشر لحياة الصحفيين والمدنيين.

اعتداءات مباشرة على صحفيين
وفي سياق متصل، أشارت المنظمة إلى أنه يوم الخميس 8 كانون الثاني/يناير، أُصيب الصحفيان إسماعيل الكردي ودياب العمري من مديرية إعلام حلب، جراء قصف بقذائف هاون استهدف أحياء سكنية مجاورة لحيّي الأشرفية والشيخ مقصود، أثناء أدائهما مهامهما الإعلامية، وفق ما أعلنه وزير الإعلام السوري في بيان رسمي.
كما وثّقت المنظمة حادثة اختطاف الصحفي والشاعر مرهف الشاعر يوم الثلاثاء 6 كانون الثاني/يناير، بعد إصابته بخمس رصاصات في ساحة الفرسان بمدينة السويداء جنوب سوريا، بحسب ما أفاد به موقع تلفزيون سوريا الحكومي. بينما أظهرت المعلومات التي تداولتها مواقع إعلامية أن منفّذ عملية الاختطاف هو قيادي في ما يُعرف بـ "الحرس الوطني" التابع لحكمت الهجري زعيم الطائفة الدرزية، ويدعى مهند مزهر.
ونقل مدير العلاقات الإعلامية في مديرية السويداء، قتيبة عزام، أن الصحفي مرهف الشاعر كان مهددًا بالتصفية داخل مكان احتجازه، لولا تدخل عاجل حال دون تنفيذ الجريمة، قبل أن يُطلق سراحه في اليوم نفسه.
ولفتت المنظمة إلى أن استهداف مرهف الشاعر جاء بعد أقل من شهر على اغتيال شقيقه أنور في 14 كانون الأول/ديسمبر الماضي، برصاص مجهولين أمام منزله في ريف السويداء الشرقي، في جريمة لا تزال ملابساتها غامضة.
وأوضحت «صحفيات بلا قيود» أن مرهف الشاعر يتبنى مواقف سياسية معارضة لتوجهات حكمت الهجري، الذي يرفض الحكومة السورية الجديدة، ويدعو إلى فصل محافظة السويداء واعتبارها كيانًا مستقلًا، في ظل تقارير عن تلقيه دعمًا من سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
وتؤكد التصريحات الرسمية الصادرة عن الهجري وأخرى عن قيادات بارزة في سلطات الاحتلال من بينهم رئيس الحكومة نتيناهو المطلوب لمحكمة العدل الدولية بتهمة ارتكابه جرائم إبادة جماعية، وجود علاقة بين الطرفين، وهو ما يجعل التوتر قائماً بين الهجري نفسه والمكونات المجتمعية في سوريا في ظل استمرار تداعيات الإبادة الجماعية على الفلسطينيين في قطاع غزة.

مخاطر متصاعدة
وقالت صحفيات بلا قيود، إن سوريا تشهد تصعيدًا عسكريًا متسارعًا، في ظل محاولات القوات الحكومية بسط سيطرتها على مناطق تنتشر فيها تشكيلات مسلحة خارج سلطة الدولة، وأشارت إلى اشتباكات عنيفة اندلعت مؤخرًا بين الجيش السوري وقوات «قسد» في محافظة حلب، وأسفرت عن عشرات القتلى والجرحى، وموجات نزوح واسعة، قبل أن تتمكن القوات الحكومية من السيطرة على المنطقة.
ووفق وكالة الأنباء السورية (سانا)، أسفرت الاشتباكات في حيّي الأشرفية والشيخ مقصود عن 24 قتيلًا و129 جريحًا، ونزوح نحو 165 ألف شخص.
وحذّرت «صحفيات بلا قيود» من تكرار سيناريوهات العنف الدامي التي شهدتها محافظة السويداء العام الماضي، عندما تحولت مواجهات محلية إلى أعمال عنف ممنهجة استهدفت المنازل والممتلكات، وأدّت إلى مقتل أكثر من 1000 شخص من المدنيين وأفراد القوات الأمنية والعسكرية ومسلحي الفصائل المحلية.
وبحسب إحصاءات موثقة، قُتل منذ مطلع عام 2025 وحتى أغسطس/آب من العام نفسه أكثر من 3000 مدني، بينهم ما لا يقل عن 450 طفلًا وامرأة. وكان شهر مارس/آذار الأكثر دموية، لا سيما في محافظتي طرطوس واللاذقية، حيث شهد الساحل السوري مجازر واسعة أعقبت هجومًا نفذه مسلحون من بقايا نظام الأسد، وما تلاه من حملات أمنية تحولت إلى أعمال انتقامية، أسفرت عن مقتل أكثر من 1800 شخص، بينهم 32 من الكوادر الطبية.
وأكدت المنظمة أن المؤشرات الميدانية تُنذر بتجدد الاشتباكات، لا سيما بعد إعلان الجيش السوري مناطق في ريف حلب الشرقي مناطق عسكرية مغلقة، ودعوة المجموعات المسلحة إلى الانسحاب شرق الفرات، في ظل تقارير عن إرسال «قسد» تعزيزات عسكرية إلى مناطق قريبة من حلب.

واقع قاتم لحرية الصحافة
وأدانت منظمة «صحفيات بلا قيود» استمرار الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون والعاملون في الإعلام بسوريا، وحمّلت جميع أطراف النزاع المسؤولية القانونية عن هذه الانتهاكات، داعية الحكومة إلى توفير بيئة آمنة للعمل الصحفي، وضمان الحماية، وعدم إفلات الجناة من العقاب.
وقالت المنظمة إن عام 2025 شهد استمرارًا في أنماط الانتهاكات الجسيمة بحق الصحفيين، شملت القتل، والاعتداء الجسدي، والاحتجاز التعسفي، والمنع من التغطية، والملاحقة القضائية. ورغم تراجع حجم الانتهاكات مقارنة بفترة حكم بشار الأسد، إلا أن بيئة العمل الإعلامي لا تزال شديدة الخطورة.
ومن أبرز الانتهاكات المسجلة، العثور في مايو/أيار 2025 على جثة الإعلامي محمد خيتي قرب بلدة جيرود في القلمون، ومقتل المصور ساري مجيد الشوفي أثناء تغطيته اشتباكات محلية في السويداء، إضافة إلى مقتل الإعلامي حسن الزعبي، مدير المكتب الإعلامي لمحافظة درعا، برصاص قنّاص خلال مهمة رسمية.
كما سُجلت اعتداءات جماعية، من بينها الهجوم على سبعة صحفيين في السويداء في 4 مايو/أيار، واحتجاز وتعذيب صحفيات من قبل «قسد»، إلى جانب 13 حالة اعتقال واحتجاز لصحفيين محليين وأجانب خلال العام.

الالتزام بالمسار قانوني
وتؤكد منظمة «صحفيات بلا قيود» على أن استمرار الاشتباكات وتعدد أطراف النزاع في سوريا يفاقمان من هشاشة البيئة الإعلامية، ويجعلان الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي في مرمى الانتهاكات والاستهداف المباشر.
وتدعو المنظمة إلى ضرورة التزام جميع الأطراف بأحكام القانون الدولي الإنساني، واحترام وحماية الصحفيين باعتبارهم مدنيين، وضمان حقهم في العمل بحرية وأمان.
وتطالب صحفيات بلا قيود، السلطات السورية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وفعّالة لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، وضمان عدم إفلاتهم من العقاب، بما يكفل حماية حرية الصحافة وصون الحق في الوصول إلى المعلومات، باعتبار ذلك ركيزة أساسية لأي مسار نحو الاستقرار وسيادة القانون.

Author’s Posts

مقالات ذات صلة

Image