أعربت منظمة «صحفيات بلا قيود» عن قلقها إزاء تصاعد حالات الوفاة داخل السجون ومقار الاحتجاز في مصر، وطالبت الجهات المختصة باتخاذ إجراءات عاجلة لضمان سلامة المحتجزين، وفتح تحقيقات مستقلة وشفافة في الوقائع المعلنة.
في 11 مارس الجاري، توفي المحامي جمال صابر (50 عامًا) داخل سجن وادي النطرون بعد معاناة مع الإهمال الطبي استمرت لأكثر من 12 عامًا قضاها خلف القضبان. وكان صابر أحد أقدم المعتقلين، إذ أُلقِي القبض عليه في 19 مارس 2013 على خلفية القضية المعروفة بـ«أحداث شبرا»، وتنقل بين عدة سجون، كان آخرها وادي النطرون. ووفقًا للمعلومات المتاحة، ظل ينادي طلبًا للمساعدة دون جدوى، حتى عُثر عليه صباح اليوم التالي جثة هامدة.
وقالت المنظمة إن أجهزة الدولة المعنية في مصر، تتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن وفاة صابر، باعتبارها المكلَّفة بضمان سلامته وتوفير الرعاية الصحية الملائمة للمحتجزين.
وكان صابر معروفًا بمنصبه مديرًا للحملة الرئاسية للمرشح حازم صلاح أبو إسماعيل في انتخابات 2012، كما رافقته مأساة اعتقال ابنيه معه في مارس 2013، إذ كان أحدهما في المرحلة الثانوية والآخر في بداية الجامعة، ما أدى إلى إصابة أحدهما باضطراب نفسي.
ورصدت صحفيات بلا قيود، سبع حالات وفاة على الأقل منذ مطلع يناير الماضي، من بينهم مواطنان سودانيان، ومواطنان مصريان (أحدهما محتجز على ذمة قضية نفقة والآخر في قضية جنائية)، إضافة إلى أكاديميين اثنين اعتُقِلا منذ أعوام على خلفية قضايا ذات طابع سياسي.
وأكدت «صحفيات بلا قيود» أن هذه الحالات تعكس إشكاليات مستمرة تتعلق بأوضاع الاحتجاز، وسوء المعاملة، والإهمال الطبي، وحرمان الكثيرين من ضمانات المحاكمة العادلة، وشددت على ضرورة الالتزام بالضمانات القانونية والإنسانية المنصوص عليها في الدستور والقوانين الوطنية والمعايير الدولية. كما أعربت المنظمة عن خشيتها من أن تؤثر هذه الإشكاليات على حياة عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين منذ صيف 2013، وذكّرت بتقريرها الصادر في يونيو 2025 تحت عنوان: «سجون بلا مفاتيح: كيف تقتل الزنزانة العمر والأمل في مصر».
وفيات بين المعتقلين السياسيين
في 11 فبراير، أعلنت منظمات حقوقية مصرية وفاة المعتقل السياسي الدكتور جلال عبد الصادق محمد حسن (74 عامًا) بعد تدهور حالته الصحية في سجن بدر 3. وكان الراحل قد أمضى 12 عامًا في السجن على خلفية حكم صدر منذ اعتقاله في 24 نوفمبر 2013، ورغم انتهاء المحكومية، لم تفرج السلطات عنه، بل أعادت تدويره في قضايا جديدة عقب انقضاء مدة العقوبة. شغل الدكتور الصادق قبل اعتقاله منصب رئيس قسم الفيزياء بكلية العلوم في جامعة أسيوط، وله العديد من الأوراق والبحوث الأكاديمية، وخلال فترة احتجازه تعرّض لتدهور صحي شديد، وأصيب بالشلل وأمراض مزمنة، واعتمد على كرسي متحرك.
وفي 23 يناير الماضي، أُعلن عن وفاة المحامي شمس الدين أحمد عطا الله داخل سجن العاشر من رمضان بعد أربع سنوات من اعتقاله، حيث كانت الأجهزة الأمنية قد اعتقلته في تشرين الثاني/نوفمبر2021، على خلفية عمله في الدفاع عن السجناء السياسيين.
ولفتت صحفيات بلا قيود، إلى أن محمد، نجل شمس الدين أحمد عطا الله، لا يزال مختفيًا قسرًا منذ عام 2018، في مؤشر على نمط ممتد من الانتهاكات التي تطال الأسرة بأكملها.
واطلعت صحفيات بلا قيود، على تقارير حقوقية سابقة، سجلت خلال العام الماضي وفاة ما لا يقل عن 54 سجينًا داخل مقار الاحتجاز، مع تنوع الأسباب بين تدهور صحي، وإهمال طبي، وسوء أوضاع الاحتجاز. وخلال الفترة الماضية، نفذ المحتجزون، احتجاجات سلمية داخل بعض السجون ومراكز الاحتجاز، للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، شملت إضرابات عن الطعام ومطالبات بتوفير رعاية صحية أفضل، وتحسين جودة الغذاء والمياه وظروف الاحتجاز. كما كشفت رسائل لمحتجزين عن صورة قاسية لتأثير الحبس على أجسادهم ونفسياتهم ومستقبلهم التعليمي والاجتماعي. من بينها رسالة بعثها الطالب مدثر محمد عبد الحميد، من داخل زنزانته في سجن العاشر من رمضان، في 7 كانون الثاني/ يناير الماضي، حيث كشفت عن حجم المعاناة الإنسانية التي يعيشها المحتجزون وشعورهم بالضياع.
إلتزام قانوني
وأكدت «صحفيات بلا قيود» أن حماية حق المحتجزين في الحياة والسلامة الجسدية التزام قانوني على الدولة، استنادًا إلى الدستور المصري الذي يكفل الكرامة الإنسانية ويحظر التعذيب ويوجب توفير الرعاية الصحية، وإلى قانون تنظيم السجون الذي يُلزم الإدارة بالرعاية الطبية والكشف الدوري والنقل للمستشفيات عند الضرورة.
على الصعيد الدولي، مصر طرف في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب، كما تنطبق عليها «قواعد نيلسون مانديلا» التي تجعل توفير الرعاية الطبية مسؤولية مباشرة للدولة.
واستنادًا إلى ما سبق، تطالب «صحفيات بلا قيود» بتحقيقات قضائية مستقلة في جميع حالات الوفاة وإعلان نتائجها للرأي العام، والإفراج الفوري عن المحتجزين في قضايا سياسية. كما تدعو إلى تشكيل لجان طبية مستقلة لمراجعة أوضاع الرعاية الصحية داخل السجون، ومراجعة سياسات الإيداع الانفرادي، وضمان تنفيذ الأحكام فور صدورها، والتحقيق في الإخفاء القسري، إلى جانب مواءمة أوضاع أماكن الاحتجاز مع المعايير الدولية لضمان الحق في الحياة والكرامة الإنسانية.


Ar
En