عقدت الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان ورئيسة منظمة صحفيات بلاقيون، اليوم الخميس 13 أغسطس 2026، مؤتمرا صحفيا في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، على هامش مشاركتها في جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن، حذرت خلاله من أن التطورات الأخيرة تنذر بانزلاق البلاد مجددا نحو حرب شاملة.
وحمّلت كرمان الحوثيين المسؤولية الرئيسية عن انهيار الدولة اليمنية منذ سيطرتهم على صنعاء عام 2014، معتبرة أن الدعم الإيراني العسكري والمالي واللوجستي للجماعة أسهم في إطالة أمد الحرب وتقويض فرص السلام وتهديد أمن الملاحة الدولية. كما انتقدت ضعف أداء الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، وقالت إن تدخلات التحالف بقيادة السعودية والإمارات أسهمت في إضعاف الحكومة وتعميق الانقسام وانتشار الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة.
ودعت كرمان مجلس الأمن إلى دعم عملية سياسية بقيادة يمنية تعيد بناء مؤسسات الدولة وتوحيد المؤسسات العسكرية ونزع سلاح الجماعات المسلحة، إلى جانب التحقيق في الجرائم المرتكبة من جميع أطراف النزاع والنظر في إنشاء آلية قضائية دولية خاصة باليمن، مؤكدة أن استقرار اليمن ووحدته وسيادته باتت مرتبطة بأمن الملاحة والتجارة الدولية والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
كما دعت إلى الإفراج الفوري عن جميع المحتجزين تعسفياً والمختطفين، والتحقيق المستقل في الجرائم التي ارتكبتها أطراف النزاع، والنظر في إنشاء آلية قضائية دولية خاصة باليمن، ووقف تزويد الحوثيين والجماعات المسلحة بالأسلحة والتمويل والتدريب.
نص الكلمة:
السيدة رئيسة مجلس الأمن، أصحاب السعادة،
السلام عليكم،
اسمي توكّل كرمان. أنا يمنية مدافعة عن حقوق الإنسان وحائزة على جائزة نوبل للسلام. كرّست حياتي للدفاع عن الحرية ومقاومة الاستبداد.
على الرغم من أن الأزمات التي تعصف بالشرق الأوسط تستحوذ على اهتمام العالم، فإن مأساة اليمن قد تراجعت إلى هامش الاهتمام الدولي. ومع ذلك، لا يزال ملايين المدنيين يدفعون ثمن حرب لم يختاروها، ودولة جُرّدت من مؤسساتها، وسلامٍ تأخر تحقيقه وطال انتظاره.
واليوم، أنقل إليكم أصواتهم: يمنيون يكافحون من أجل البقاء؛ ونساء يحملن أعباء الحرب؛ وأطفال أصبح صوت إطلاق النار مألوفًا لديهم أكثر من جرس المدرسة.
لا يزال اليمن يواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم؛ حيث يحتاج أكثر من اثنين وعشرين مليون شخص، من بينهم نحو أحد عشر مليون امرأة وفتاة، إلى المساعدات الإنسانية، فيما يواجه أكثر من ثمانية عشر مليون شخص، بينهم أكثر من مليوني طفل دون سن الخامسة، انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي. كما تجاوز عدد النازحين داخليًا خمسة ملايين شخص، فيما يوجد أكثر من أربعة ملايين طفل خارج المدرسة. ويعيش معظم السكان تحت خط الفقر، في ظل انهيار الاقتصاد، وتدهور قيمة العملة الوطنية، وتعطل الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها التعليم والرعاية الصحية.
كما تتحمل النساء والفتيات العبء الأكبر من ويلات الحرب؛ إذ تحتاج ستة ملايين ومئتا ألف امرأة وفتاة إلى الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، فيما تحتاج خمسة ملايين وخمسمئة ألف إلى خدمات الصحة الإنجابية. ويسجل اليمن أعلى معدل لوفيات الأمهات في المنطقة، كما أن أكثر من ثلاثين في المئة من الفتيات يتزوجن قبل بلوغ سن الثامنة عشرة. وأصبحت كثير من النساء المعيل الرئيسي لأسرهن، في ظل ظروف بالغة القسوة.
وتتفاقم هذه المعاناة مع استمرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، فيما يواصل اقتصاد الحرب تعميق الفقر والجوع، وتغذية تهريب السلاح والجريمة المنظمة والتطرف.
السيدة الرئيسة، أصحاب السعادة،
يتمثل السبب الجذري للأزمة الإنسانية وأزمة حقوق الإنسان في اليمن في انهيار الدولة. ويتحمل الحوثيون المسؤولية الرئيسية عن هذا الانهيار، منذ أن انقلبوا على العملية الانتقالية وسيطروا على العاصمة صنعاء عام ألفين وأربعة عشر. ومنذ ذلك الحين، فككوا مؤسسات الدولة وفرضوا سلطتهم بالعنف وقوة السلاح.
انتهكوا حقوق النساء وقيّدوا مشاركتهن في الحياة العامة، ومارسوا الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري بحق المدنيين، بمن فيهم ناشطون وناشطات في المجتمع المدني، وصحفيون، وسياسيون، وموظفو الأمم المتحدة. كما أخضعوا الأطفال لتلقين أيديولوجي ممنهج يزرع فيهم ثقافة العنف والكراهية، وجنّدوهم للقتال. وزرعوا ملايين الألغام، وحوّلوا المعاناة الإنسانية إلى أداة للحرب والابتزاز السياسي.
كما أسهم الدعم الإيراني العسكري والمالي واللوجستي للحوثيين في إطالة أمد الحرب، وتقويض فرص السلام، وتهديد الأمن الإقليمي وحرية الملاحة الدولية.
وفي المقابل، لم تتمكن الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا من الوفاء بمسؤولياتها؛ إذ أسهم ضعف الأداء، وغياب الحوكمة، والانقسامات الداخلية، وإدارة شؤون البلاد من خارج اليمن بدلًا من العاصمة المؤقتة عدن، في إضعاف مؤسسات الدولة، وتقويض سيادة القانون، وتآكل ثقة المواطنين بها.
كما أدى تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية، وكذلك تدخلات الإمارات في اليمن، إلى إضعاف الحكومة المعترف بها دوليًا، وانتشار الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، ووقوع انتهاكات لحقوق الإنسان، وتعميق الانقسام، وتهديد وحدة اليمن وسيادته.
وفاقم الوضع سوءًا فشل المجتمع الدولي في القيام بمسؤولياته في تنفيذ قرارات مجلس الأمن، وحماية المدنيين، وضمان المساءلة وعدم إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب.
السيدة الرئيسة، أصحاب السعادة،
إن التطورات الأخيرة في اليمن تنذر بانزلاق البلاد مجددًا نحو حرب شاملة. فبعد سنوات من هدنة هشة لم تعالج جذور الصراع، يأتي تجدد المواجهات في جبهات القتال، وهجمات الحوثيين الصاروخية داخل اليمن وعلى السعودية، واعتداءاتهم على الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، ليؤكد أن انهيار الدولة اليمنية لم يعد يهدد حياة اليمنيين وأمنهم ووحدة بلادهم وسيادتها فحسب، بل بات يعرّض أمن الملاحة والتجارة العالمية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد للخطر، ويقوّض الأمن والسلم الإقليمي والدولي.
السيدة الرئيسة، أصحاب السعادة،
على امتداد الثورة اليمنية السلمية، والمرحلة الانتقالية، وسنوات الحرب، أثبتت النساء في اليمن أنهن لسن مجرد ضحايا للحرب، بل فاعلات لا غنى عنهن في الدفاع عن حقوق الإنسان، وبناء السلام، وتعزيز المؤسسات الديمقراطية، وإعادة بناء البلاد.
ومع ذلك، لا تزال النساء مستبعدات إلى حد كبير من مفاوضات السلام وصنع القرار، في انتهاك واضح للقرار ألف وثلاثمئة وخمسة وعشرين ولمخرجات مؤتمر الحوار الوطني اليمني، التي دعت إلى ألا تقل مشاركة النساء عن ثلاثين في المئة. ولم تحقق مفاوضات السلام اللاحقة هذه النسبة، كما ظل تمثيل النساء في مؤسسات الحكم محدودًا للغاية. ويُعد تعيين ثلاث نساء مؤخرًا في مناصب وزارية، وهي التعيينات الأولى من نوعها منذ ست سنوات، خطوة مرحبًا بها. إلا أنها ستظل غير كافية ما لم تؤدِّ إلى المشاركة الكاملة والفاعلة للنساء في جميع مراحل بناء السلام ومراكز صنع القرار. فلا يمكن لأي عملية سياسية أن تكون شاملة أو مستدامة بينما يستمر تهميش نصف المجتمع.
السيدة الرئيسة، أصحاب السعادة،
إن الشعب اليمني لا يطلب من المجتمع الدولي أن يصنع السلام نيابةً عنه، بل أن يقف إلى جانبه في جهوده لاستعادة دولته، وبناء جمهورية يمنية موحّدة، ديمقراطية، وذات سيادة كاملة. ومنذ ثورة فبراير السلمية في اليمن عام ألفين وأحد عشر، ظلّ مجلس الأمن شريكًا رئيسيًا في دعم العملية الانتقالية في اليمن. وقد أفضى مؤتمر الحوار الوطني، الذي دعمته الأمم المتحدة وأيّده مجلس الأمن، إلى توافق وطني تاريخي، ولا تزال مخرجاته تشكل الأساس الأكثر واقعية لإعادة بناء البلاد.
وانطلاقًا من هذا الإرث، ومن أجل بناء سلام مستدام في اليمن، أحثّ مجلس الأمن على اتخاذ الخطوات التالية:
أولًا: الضغط من أجل إنهاء الحرب ووقف جميع الهجمات على المدنيين والبنية التحتية المدنية. وأحثكم كذلك على دعم عملية سياسية شاملة بقيادة يمنية تعيد لليمن سيادته وقراره الوطني المستقل، وتعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس المواطنة المتساوية والديمقراطية وسيادة القانون. سيتطلب هذا توحيد المؤسسات العسكرية وإصلاح القطاع الأمني ونزع سلاح الجماعات المسلحة، كما يتطلب مسارًا للعدالة الانتقالية يجبر الضرر وينصف الضحايا. ويجب أن تضمن أي عملية سياسية المشاركة الكاملة والفاعلة للنساء، بتمثيل لا يقل عن ثلاثين في المئة، في مفاوضات السلام وجميع مراكز صنع القرار.
ثانيًا: الاستمرار في المطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الأشخاص المحتجزين تعسفيًا أو المختطفين، بمن فيهم نشطاء المجتمع المدني، والناشطات، والصحفيون، وموظفو الأمم المتحدة، والسياسيون، وإبلاغ الأسر بمصير أحبائهم وأماكن وجودهم. كما ينبغي توفير الحماية ودعم إعادة الإدماج للمفرج عنهم ولعائلاتهم. كذلك، ضمان رفع القيود المفروضة على وصول المساعدات الإنسانية، وإعادة فتح الطرق، ورفع الحصار، وضمان إيصال المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ودون عوائق أو تسييس، مع الامتثال الكامل للقانون الدولي والانساني.
ثالثًا: إجراء تحقيقات مستقلة ونزيهة في جميع الجرائم التي ارتكبتها جميع الأطراف خلال النزاع، بما يشمل انتهاكات حقوق النساء، واستهداف النساء الناشطات سياسيًا، وجميع أشكال العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي؛ وضمان مساءلة مرتكبي هذه الجرائم وتحقيق العدالة للضحايا. كما ينبغي للمجلس النظر في إنشاء آلية قضائية دولية خاصة باليمن لملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
رابعًا: الضغط على جميع الأطراف لحماية المؤسسات الاقتصادية الوطنية وإعادة توحيدها؛ وضمان دفع رواتب موظفي القطاع العام بانتظام؛ وتفكيك اقتصاد الحرب؛ ومنع استخدام المساعدات الإنسانية والمطارات والموانئ والبنية التحتية الاقتصادية كأدوات للإكراه السياسي أو العقاب الجماعي؛ ودعم التعافي الاقتصادي ومكافحة الفساد وإعادة الإعمار في إطار من الرقابة الفعالة والشفافية.
خامسًا:
الضغط على جميع الجهات الخارجية لوقف تزويد الحوثيين والجماعات المسلحة الأخرى بالأسلحة والتمويل والتدريب والدعم العسكري. كما يجب على المجلس إنفاذ نظام العقوبات الخاص به ومساءلة جميع من يؤججون انتهاكات حقوق الإنسان أو يقوّضون السلام أو يهددون سيادة اليمن ووحدته وسلامة أراضيه.
السيدة رئيسة المجلس، أصحاب السعادة،
قبل خمسة عشر عامًا، تشرفت بالحصول على جائزة نوبل للسلام لوقوفي إلى جانب بلدي وشعبه الشجاع في نضاله السلمي من أجل الحرية والكرامة والديمقراطية وحقوق الإنسان.
وأدعوكم اليوم إلى الوقوف إلى جانبهم، ليس فقط لأنهم يستحقون الحرية والسلام، بل لأن وجود يمنٍ ذي سيادة، وديمقراطي، ومستقر أمرٌ أساسي لحماية الملاحة والتجارة الدولية، وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، ولأمن وسلام المنطقة والعالم. والشعب اليمني مستعد لأن يكون شريكًا فاعلًا لجيرانه وللمجتمع الاقليمي والدولي في بناء هذا المستقبل.
شكرًا لكم.

Ar
En
