قالت منظمة صحفيات بلاقيود إن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات العماني الجديد الصادر بالمرسوم السلطاني في الأول من يونيو/حزيران 2026، والذي نُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ السابع من الشهر ذاته، تراجعاً مقلقاً وعميقاً في مجال حقوق الإنسان وحرية التعبير الرقمي في سلطنة عمان.
وأكدت أن القانون (61/2026) يعتمد بشكل واسع على صياغات فضفاضة ومصطلحات غامضة، مثل "الإخلال بالنظام العام" و"نشر الشائعات" و"الإضرار بهيبة الدولة"، مما يمنح السلطات صلاحيات تقديرية غير مقيدة لتجريم الصحافة المستقلة، وقمع المدافعين عن حقوق الإنسان، وتقييد حرية التجمع السلمي عبر الإنترنت.
يفرض القانون عقوبات قاسية وغير متناسبة، تشمل السجن لمدد تصل إلى خمس عشرة سنة وغرامات تبلغ مئة ألف ريال عماني، مما يخلق بيئة من الخوف والرقابة الذاتية تُكبّل الفضاء المدني الرقمي. إن هذا التشريع يتعارض بشكل صارخ مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ويعكس نمطاً إقليمياً متصاعداً لاستخدام تشريعات الجرائم الإلكترونية أداةً للسيطرة السياسية وقمع المعارضة المشروعة.
تُطالب منظمة "صحفيات بلا قيود" بمراجعة شاملة وعاجلة لهذا القانون، وتعديل مواده لتتوافق مع الالتزامات الدولية لسلطنة عمان في مجال حقوق الإنسان.
وشهدت سلطنة عمان سوابق مقلقة في الملاحقات القضائية المتعلقة بحرية التعبير الرقمي. حيث استُخدمت القوانين السابقة، لا سيما قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لعام 2011 وقانون الجزاء لعام 2018، بشكل متكرر لتقييد النشاط الرقمي والصحفي. وتعتبر الرقابة الذاتية هي القاعدة في السلطنة، حيث تُعتبر انتقادات السلطان أو سلفه غير مقبولة، كما يتم استهداف الصحافة المستقلة بمجرد اهتمامها بقضايا حساسة كالفساد.
تجريم حرية الصحافة والتعبير تحت مسميات غامضة
تُعد المادة (20) من أكثر مواد القانون إشكالية، إذ تُجرّم نشر "كل ما من شأنه أن ينطوي على الإخلال بالنظام العام أو الآداب العامة" أو "شائعات أو معلومات مضللة بصورة مباشرة أو غير مباشرة". هذه الصياغة الفضفاضة تفتقر إلى الدقة والوضوح المطلوبَين في التشريعات التي تقيّد الحقوق الأساسية. فمصطلح "الآداب العامة" ذاتي وقابل للتفسير الواسع، ومصطلح "المعلومات المضللة" يمكن أن يشمل أي تقرير صحفي تعترض عليه الحكومة.
وتتضاعف العقوبات بموجب ذات المادة إذا اعتبرت السلطات أن القصد هو "إثارة الفتنة"، حيث تصل العقوبة إلى السجن من 3 إلى 10 سنوات مع غرامات تتراوح بين 5,000 و 10,000 ريال عماني. مصطلح "إثارة الفتنة" بدوره غامض وقابل للتوسع، ويمكن استخدامه ضد أي محتوى ينتقد الحكومة أو يدعو إلى الإصلاح.
وعلى المنوال ذاته، تُجرّم المادة (23) نشر "أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو مغرضة" بقصد "الإضرار بسمعة أو مكانة أو هيبة الدولة أو إحدى سلطاتها أو مؤسساتها". هذه المادة تمنح الحكومة أداة قانونية لتجريم أي تقرير صحفي ينتقد السياسات العامة أو يكشف الفساد، بذريعة أنه "يضر بهيبة الدولة". وهذه الصياغات نمط شائع في دول المنطقة إذ تُستخدم كأداة خطيرة لقمع الصحفيين والناشطين الناقدين.
تهديد الصحافة الاستقصائية وحماية المصادر
تُشكّل المادة (14)، التي تُجرّم الامتناع عن تقديم "الرموز السرية لوسيلة تقنية المعلومات" إلى مأموري الضبط القضائي، تهديداً مباشراً لمبدأ حماية المصادر الصحفية. فإلزام الصحفيين بتسليم كلمات المرور وبيانات الوصول إلى أجهزتهم يُعرّض مصادرهم السرية للخطر، ويُقوّض الصحافة الاستقصائية التي تعتمد على الحماية الرقمية للمعلومات.
وقالت صحفيات بلاقيود إن حماية المصادر واجب أخلاقي ومهني لضمان تدفق المعلومات، وأن أي قيود على هذا الحق يجب أن تكون مبررة بضرورة ملحة ومتناسبة في مجتمع ديمقراطي.
كما تُثير المادة (12)، التي تُجرّم حيازة أو تصنيع أو توزيع برامج أو أجهزة يمكن استخدامها لإخفاء الأدلة الرقمية، مخاوف جدية بشأن تجريم أدوات التشفير وحماية الخصوصية الرقمية التي يعتمد عليها الصحفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان لحماية اتصالاتهم ومصادرهم.
وقالت صحفيات بلا قيود إن "القانون يُشكّل تهديداً وجودياً لحرية الصحافة في سلطنة عمان. فمن خلال تجريم النقد الصحفي للحكومة ومؤسساتها، وتهديد سرية المصادر، وفرض عقوبات مشددة، يُقيّد القانون قدرة الصحفيين على أداء دورهم الجوهري في المجتمع".
تقييد حرية التجمع السلمي الرقمي
تُعد المادة (21) من القانون انتهاكاً صريحاً لحرية التجمع السلمي المكفولة بموجب المادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. إذ تُجرّم هذه المادة "التحريض أو الدعوة إلى التجمهر، أو الإضراب أو الاعتصام أو الخروج في مسيرات في غير الأحوال المرخص فيها" عبر الإنترنت، وتفرض عقوبة السجن من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات.
وقد أكد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات في تقريره الصادر عام 2019 (A/HRC/41/41) أن حقوق التجمع وتكوين الجمعيات تنطبق بالكامل على الفضاء الرقمي، وأن أي قيود عليها يجب أن تكون ضرورية ومتناسبة ومحددة بوضوح. إن اشتراط الترخيص المسبق للدعوة إلى التجمع عبر الإنترنت يمثل قيداً واسعاً يقوض جوهر هذا الحق، ويفتح الباب أمام تفسيرات تعسفية من قبل السلطات.
ما يجعل الصحفيين الذين ينشرون خبراً عن إضراب عمالي، أو الناشط الذي يدعو إلى مظاهرة سلمية، أو حتى المواطن الذي يعيد نشر دعوة للتجمع، قد يواجهون المقاضاة والسجن. هذا تقييد مباشر وصريح لحقوق الإنسان الأساسية المكفولة بموجب العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
تجريم النقد السياسي والطعن في الشرعية
تُجرّم المادة (32) "الطعن في حقوق السلطان وسلطته، أو عيبه في ذاته، أو الطعن في زوجة السلطان أو ولي عهده أو أولاده أو عيبهم في ذواتهم"، وتفرض عقوبة السجن من ثلاث إلى عشر سنوات وغرامة تصل إلى خمسة آلاف ريال. هذه المادة تُجرّم أي نقد سياسي للحاكم وعائلته، وتتعارض مع المعايير الدولية التي تُؤكد أن الشخصيات العامة، بما فيهم رؤساء الدول، يجب أن يتحملوا قدراً أكبر من النقد والتدقيق، لا أن يُحاطوا بحصانة قانونية مطلقة.
وفي السياق ذاته، تُجرّم المادة (27) "الإخلال علانية بالاحترام الواجب للسلطة القضائية على نحو يشكك في نزاهتها"، مما يُقيّد حق المواطنين في انتقاد القضاء وتقييم أدائه، وهو حق أساسي في أي مجتمع يسعى إلى ضمان المساءلة والشفافية.
تقييد المدافعين عن حقوق الإنسان وتجريم التواصل الدولي
تُعاقب المادة (30) على "تقديم معلومات غير صحيحة أو مضللة إلى أفراد أو منظمات أو مؤسسات أو هيئات أو أي كيانات أخرى، وكان من شأنها الإضرار بمصالح الدولة أو الإساءة إلى سمعتها". هذه المادة تُثير قلقاً بالغاً للمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يتواصلون مع المنظمات الدولية وآليات الأمم المتحدة، حيث يمكن استخدامها لتجريم توثيق انتهاكات حقوق الإنسان والإبلاغ عنها للهيئات الدولية.
وتُفرض في حالات الطوارئ والحروب عقوبات تصل إلى 15 سنة سجن وغرامة 100 ألف ريال. ما يعني أن السلطات قد تستخدم أي أزمة (حرب، كارثة طبيعية، وباء) كذريعة لتكميم الأفواه بشكل كامل ومنع أي نقاش عام حول الأزمة أو السياسات الحكومية.
وتشير صحفيات بلاقيود إلى أن هذه المادة تعني عملياً "أن أي تقرير حقوقي دقيق عن انتهاكات حقوق الإنسان في السلطنة قد يُصنف كـ "معلومات مضللة"، مما يحول المدافعين عن حقوق الإنسان إلى مجرمين بموجب القانون. هذا انتهاك صارخ لحق الأفراد في الوصول إلى آليات الحماية الدولية، وتقويض مباشر لالتزامات عمان الدولية بموجب اتفاقيات حقوق الإنسان".
الاختصاص القضائي ومبدأ تناسب العقوبة
وتنص المادة (2) من القانون على أن أحكامه تسري على الجرائم "ولو ارتكبت كليا أو جزئيا خارج سلطنة عمان متى ما أضرت بمصالحها أو أشخاصها". هذا الاختصاص القضائي خارج الحدود يُشكّل تهديداً للصحفيين والناشطين العمانيين المقيمين في الخارج، ويمكن أن يُستخدم لملاحقتهم قضائياً بسبب تقاريرهم ومنشوراتهم من خارج البلاد.
وتفرض العديد من مواد القانون عقوبات غير متناسبة مع طبيعة الجرائم المُجرَّمة. فالسجن حتى عشر سنوات على "الطعن في حقوق السلطان"، أو حتى خمس عشرة سنة على تقديم معلومات تضر بمصالح الدولة في زمن الطوارئ، يتجاوز بكثير مبدأ التناسب الذي يتطلبه القانون الدولي لحقوق الإنسان. وقد أكدت مبادئ جوهانسبرغ بشأن الأمن القومي وحرية التعبير أن القيود المفروضة على حرية التعبير باسم الأمن القومي يجب أن تكون مبررة بشكل استثنائي، وأنها لا ينبغي أن تُستخدم لحماية الحكومة من الإحراج أو الكشف عن المخالفات.
السياق الإقليمي: نمط قمعي مشترك
يعكس القانون العماني الجديد نمطاً إقليمياً واضحاً في صياغة قوانين الجرائم الإلكترونية في دول الخليج العربي والشرق الأوسط. ففي الإمارات العربية المتحدة، أدت القوانين الإلكترونية إلى الحكم على المدافع عن حقوق الإنسان أحمد منصور بالسجن عشر سنوات. وفي البحرين، حُكم على المدافع عن حقوق الإنسان نبيل رجب بالسجن خمس سنوات بسبب تغريدات انتقد فيها الضربات الجوية في اليمن. وفي المملكة العربية السعودية، تُفرض عقوبات تصل إلى خمس سنوات سجن وغرامة ثلاثة ملايين ريال على إنتاج أو تخزين معلومات تمس "النظام العام أو القيم الدينية أو الآداب العامة". وفي الأردن، استُخدم قانون الجرائم الإلكترونية لمحاكمة ناشطين بسبب منشورات على فيسبوك تنتقد سياسات الحكومة.
توصيات منظمة صحفيات بلا قيود
تُوجّه منظمة "صحفيات بلا قيود" التوصيات التالية إلى الحكومة العمانية والمجتمع الدولي:
على الصعيد التشريعي:
تدعو المنظمة إلى مراجعة شاملة وعاجلة لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لعام 2026، وتعديل المواد الفضفاضة (20، 21، 23، 25، 27، 30، 32) لضمان توافقها الكامل مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. كما تطالب بإلغاء جميع المواد التي تُجرّم النقد السلمي للحكومة أو مسؤوليها أو الرموز الوطنية، وضمان عدم استخدام مصطلحات مثل "الإخلال بالنظام العام" أو "الإضرار بهيبة الدولة" كذرائع لقمع حرية التعبير. وتُطالب المنظمة بإدراج تعريفات دقيقة وواضحة لجميع المصطلحات الجوهرية في القانون، وإلغاء أو تعديل المادة (14) التي تُجبر الأفراد على تسليم كلمات المرور، لما تُشكّله من تهديد لحماية المصادر الصحفية وأدوات الخصوصية الرقمية.
على صعيد حرية الصحافة:
تُطالب المنظمة بإدراج ضمانات صريحة لحماية الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وضمان حماية سرية المصادر الصحفية وعدم تجريم استخدام أدوات التشفير والخصوصية الرقمية. كما تدعو إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الصحفيين والمدونين والنشطاء المعتقلين بسبب ممارستهم السلمية لحقهم في حرية التعبير عبر الإنترنت.
على صعيد الالتزامات الدولية:
تحث المنظمة سلطنة عمان على إلى تطبيق أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي انضمت إليه في أكتوبر/تشرين الأول 2025 ومن المعيب أن تنتهك أحكام العهد بعد أشهر قليلة من الانضمام إليه. كما يجب التعاون الكامل مع آليات حقوق الإنسان الأممية، بما في ذلك المقررون الخاصون المعنيون بحرية التعبير وحرية التجمع وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان. كما تدعو المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان إلى رصد تطبيق هذا القانون ومتابعة حالات الملاحقات القضائية الناجمة عنه.

Ar
En
