العراق: المساءلة عن جرائم «داعش» تقتضي محاكمات فردية عادلة تكشف الحقيقة وتنصف الضحايا
جنيف- قالت منظمة «صحفيات بلا قيود» إن محاكمة ستة مواطنين فرنسيين في بغداد بتهمة الانتماء إلى تنظيم «داعش» يجب أن تخضع لرقابة مستقلة ومشددة، في ظل احتمال الحكم عليهم بالإعدام والسجل الموثق للتعذيب والمحاكمات الموجزة في قضايا مكافحة الإرهاب بالعراق.
وشددت المنظمة على أن الجرائم الفادحة التي ارتكبها التنظيم بحق العراقيين تستوجب مساءلة حقيقية، لكنها لا تبرر انتزاع الاعترافات، أو محاكمة الأشخاص على أساس الانتماء وحده، أو إعدامهم بعد إجراءات لا تستوفي ضمانات العدالة.
وافتتحت المحكمة الجنائية المركزية في بغداد، في 20 سبتمبر/أيلول 2026، محاكمة الرجال الستة بموجب قانون مكافحة الإرهاب. وقال عضو في مجلس القضاء الأعلى إنهم قد يواجهون عقوبة الإعدام إذا ثبت ارتكابهم جرائم ضد العراق والعراقيين. ووصل المتهمون إلى المحكمة بملابس السجن الصفراء وتحت حراسة قوات خاصة، قبل أن يؤجل القاضي الجلسة إلى 5 أكتوبر/تشرين الأول لتمكين محامي الدفاع من مراجعة الملف. وحضر ممثلون عن السفارة الفرنسية، بينما لم تُكشف هويات المتهمين أو الأدلة المنسوبة إليهم علناً، ولم يصدر بعد أي حكم في القضية.
قالت المنظمة: «إرجاء الجلسة لتمكين الدفاع من مراجعة الملف خطوة ضرورية، لكنها ليست ضمانة كافية لمحاكمة عادلة. يتعين أن يحصل كل متهم منذ الآن على محامٍ يختاره، ووقت وتسهيلات كافية لإعداد دفاعه، وترجمة كاملة للملف، وإمكان الطعن في قانونية احتجازه ونقله، واستبعاد أي دليل انتُزع تحت التعذيب. كما ينبغي أن تُفتح الجلسات أمام مراقبين مستقلين، وأن يُكشف الأساس الواقعي والقانوني للاختصاص العراقي بكل قضية على حدة».
ينتمي المتهمون إلى مجموعة تضم 47 فرنسياً نُقلوا من سجون شمال شرقي سوريا إلى العراق ضمن عملية أشرفت عليها القوات الأميركية والسلطات العراقية. ولا يمكن فصل محاكماتهم عن عمليات النقل الأوسع لمشتبهين بالانتماء إلى «داعش» من سوريا إلى السجون العراقية. ففي فبراير/شباط 2026، جرى نقل 5,700 محتجز إلى العراق، بينهم عراقيون وسوريون ورعايا دول أخرى، محذرة من خطر الاختفاء القسري والتعذيب والمحاكمات غير العادلة والإعدام. أمضى هؤلاء سنوات في الاحتجاز بشمال شرقي سوريا من دون مراجعة قضائية فعالة أو فرصة حقيقية للطعن في الأساس القانوني لاحتجازهم.
لا يعني نقل المشتبهين إلى العراق أن العدالة تحققت، بل ينقل مسؤولية حمايتهم ومحاكمتهم وفق القانون من سلطة احتجاز إلى أخرى. ويحظر مبدأ عدم الإعادة القسرية نقل أي شخص إلى مكان توجد أسباب جوهرية للاعتقاد بأنه سيواجه فيه التعذيب. وإذا جرى النقل مع العلم بوجود هذا الخطر ومن دون ضمانات قابلة للإنفاذ فتتحمل الجهات المشاركة فيه مسؤولية عن الانتهاكات اللاحقة. وعلى الولايات المتحدة والسلطات العراقية والدول التي يحمل المحتجزون جنسيتها الكشف عن الأساس القانوني لكل عملية نقل، ومكان الاحتجاز، ومدى إتاحة المحامين والاتصال القنصلي، والإجراءات المتخذة لمنع التعذيب والإخفاء.
وتتضاعف المخاوف بسبب سابقة محاكمة فرنسيين في العراق عام 2019. وثقت التقارير ادعاء متهمين فرنسيين تعرضهما للتعذيب والإكراه على الاعتراف؛ وقال أحدهما إنه أُجبر على توقيع إفادة مكتوبة بالعربية لا يستطيع قراءتها. ومع ذلك، صدرت أحكام بالإعدام بحق سبعة فرنسيين خلال أيام قليلة. كما وثقت المنظمة اعتماد محاكم عراقية في قضايا مماثلة على اعترافات مطعون فيها، ومخبرين سريين، وتمثيل قانوني شكلي، وجلسات قصيرة لم تبحث بصورة جدية ادعاءات التعذيب. ولا تثبت هذه السوابق وقوع انتهاك في المحاكمة الحالية، لكنها تجعل التدقيق المستقل ضرورة لا خياراً.
يكمن خلل إضافي في قانون مكافحة الإرهاب العراقي رقم 13 لسنة 2005، الذي يستخدم تعريفات واسعة ويقرر، في مادته الرابعة، الإعدام للفاعل الأصلي أو الشريك في الأفعال المصنفة إرهابية، ويمد العقوبة ذاتها إلى المحرض والممول والمساعد. ويسمح هذا الإطار بمحاكمات تركز على إثبات «الانتماء» بدلاً من تحديد الفعل الشخصي ودور المتهم ونيته والضحايا الذين تضرروا منه. ولا يجوز أن تتحول المسؤولية الجنائية الفردية إلى إدانة جماعية لكل من عاش في أراضي التنظيم أو ارتبط به بدرجات متفاوتة.
كما أن العراق لم يدرج بعد بصورة متكاملة جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في تشريعاته الوطنية، رغم الأدلة الواسعة التي جمعها فريق الأمم المتحدة للتحقيق في جرائم «داعش». وخلص الفريق إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن التنظيم ارتكب الإبادة بحق الإيزيديين، إلى جانب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق جماعات عراقية متعددة، وسلم القضاء العراقي ملفات وأدلة تفصيلية بشأنها. إن الاقتصار على تهمة الانتماء إلى منظمة إرهابية يحرم الضحايا من محاكمة تكشف من أمر وخطط ونفذ جرائم القتل والاستعباد الجنسي والتعذيب والتهجير، ولا يعكس الطبيعة المنظمة والخطورة الاستثنائية لهذه الجرائم.
وتؤكد «صحفيات بلا قيود» أن عقوبة الإعدام لا تحقق العدالة للضحايا، ولا يمكن إصلاح أثرها إذا ظهر لاحقاً أن الحكم استند إلى اعتراف منتزع بالإكراه أو دفاع غير فعال. وبموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لا يجوز تطبيق الإعدام إلا ضمن أضيق نطاق للجرائم الأشد خطورة، وبعد محاكمة تستوفي جميع ضمانات المادة 14؛ وأي حكم بالإعدام ينتج عن محاكمة غير عادلة يشكل حرماناً تعسفياً من الحياة. ويحذر خبراء الأمم المتحدة من أن الإعدامات القائمة على اعترافات ملوثة بالتعذيب وعلى قانون غامض لمكافحة الإرهاب قد تبلغ حد الحرمان التعسفي من الحياة.
وعلى فرنسا ألا تكتفي بالحضور القنصلي أو الاعتراض الدبلوماسي على تنفيذ الإعدام بعد صدور الأحكام. وأفادت تقارير أن محامي عدد من المحتجزين لم يحصلوا على ملفات القضايا، وأبلغوا عن معاملة مهينة وادعاءات تعذيب، كما أشارت إلى وجود أشخاص نُقلوا إلى سوريا قسراً وهم أطفال. ويتعين على السلطات الفرنسية طلب ضمانات علنية وملزمة بعدم تطبيق الإعدام، وتأمين وصول محامين مستقلين وفحوص طبية سرية، والسعي إلى إعادة من لا يمكن ضمان محاكمتهم بصورة عادلة، ولا سيما من كانوا أطفالاً وقت الوقائع المنسوبة إليهم.
وتطالب المنظمة السلطات العراقية بوقف طلب أحكام الإعدام، وضمان محاكمات علنية وفردية، والتحقيق المستقل في كل ادعاء بالتعذيب، واستبعاد الاعترافات المنتزعة بالإكراه، وتمكين الضحايا والشهود من المشاركة الآمنة في الإجراءات.
كما تدعو إلى إصلاح قانون مكافحة الإرهاب، وتجريم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وفق القانون الدولي، ونشر معلومات عن جميع المنقولين من سوريا وأماكن احتجازهم. إن حقوق ضحايا «داعش» وحقوق المتهمين ليستا قضيتين متعارضتين: العدالة التي لا تكشف الحقيقة، ولا تثبت المسؤولية الفردية، وتنتهي بحبل المشنقة بعد إجراءات معيبة، ليست إنصافاً للضحايا، بل إعادة إنتاج لدائرة الانتهاك والإفلات من المساءلة.


Ar
En