البيانات الصحفية

تونس: تجريم العمل المدني وتهديد «إنكفاضة» بالحل يغلقان ما تبقى من المجال العام

تونس: تجريم العمل المدني وتهديد «إنكفاضة» بالحل يغلقان ما تبقى من المجال العام

جنيف- تعرب منظمة «صحفيات بلا قيود» عن بالغ قلقها إزاء التصعيد المتواصل ضد المجتمع المدني والصحافة المستقلة في تونس، والذي تجاوز التضييق الإداري وحملات التشهير إلى الملاحقات الجنائية، وتجميد الحسابات، وتعطيل التمويل، وتعليق نشاط الجمعيات، وصولًا إلى المطالبة بحلها قضائيًا.

ويبرز ضمن هذا السياق الخطر المحدق بجمعية «الخط»، الناشرة لمنصة الصحافة الاستقصائية «إنكفاضة»، والتي تواجه دعوى تقدمت بها رئاسة الحكومة لحلها. وترى المنظمة أن استهداف الكيان القانوني والمالي الذي يحتضن منصة إعلامية مستقلة يمثل شكلًا من الرقابة المؤسسية غير المباشرة؛ إذ يمكن خنق الصحافة من خلال تعطيل التحويلات وملاحقة الناشر وإنهاء شخصيته القانونية، من دون إصدار قرار صريح بحجب مقال أو إغلاق موقع.

وكثفت السلطات التونسية منذ مايو/أيار 2024، حملة منهجية ضد الجمعيات المستقلة؛ بينها ملاحقة ما لا يقل عن 47 شخصًا مرتبطين بمنظمات غير حكومية، وإدانة أو الحكم على 14 منهم على الأقل، فضلًا عن احتجاز أشخاص احتياطيًا لمدد تجاوزت، في بعض الحالات، الحد الأقصى البالغ 14 شهرًا.

وجرى تعليق نشاط ما لا يقل عن 20 جمعية، وإخضاع جمعيات أخرى لتحقيقات مالية وضريبية، وتجميد حسابات مصرفية وفرض قيود أعاقت تلقي التمويل وتنفيذ البرامج. وتوسعت القيود من التخويف وتجميد الأصول إلى استخدام القضاء لإنهاء الوجود القانوني للمنظمات العاملة في حقوق الإنسان ومناهضة العنصرية ومراقبة الانتخابات وحرية الإعلام ومساعدة المهاجرين.

 

«الخط» و«إنكفاضة»: الرقابة عبر استهداف الناشر

تعمل جمعية «الخط» منذ عام 2013 في مجالات تطوير الصحافة والنقاش العام، وأطلقت عام 2014 منصة «إنكفاضة»، التي نشرت تحقيقات عن الفساد والعنف المؤسسي وسياسات الهجرة والأمن والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، عُلّق نشاط الجمعية لمدة 30 يومًا بدعوى عدم التصريح بتحويل مالي أجنبي، فيما تؤكد الجمعية أنها صرحت به ضمن الآجال القانونية. وعندما طعنت في القرار، لم تنظر المحكمة في جوهر النزاع لأن مدة التعليق كانت قد انتهت عند انعقاد الجلسة، ما حرمها عمليًا من مراجعة قضائية فعالة للأساس الذي بُني عليه الإجراء.

وفي أبريل/نيسان 2026، انتقلت رئاسة الحكومة إلى طلب حل الجمعية. وأوضحت «إنكفاضة» في بيانها بشأن الدعوى أن الأساس المحتج به يعود إلى نزاع مالي وإداري قائم منذ عام 2024 لم يُفصل في موضوعه، وأن الجمعية واجهت خلال السنوات السابقة تعطيلًا لتحويلاتها البنكية ورقابة إدارية واستدعاءات قضائية.

ويثير الانتقال من تعليق مؤقت لم يخضع للفحص القضائي الموضوعي إلى طلب الحل النهائي مخاوف جدية بشأن التناسب وضمانات المحاكمة العادلة. فالحل هو العقوبة الأشد التي يمكن فرضها على جمعية، ولا يجوز استخدامه إلا بعد إثبات مخالفة جسيمة ومستمرة، واستنفاد الوسائل الأقل تقييدًا، وضمان حق الدفاع والطعن الفعال.

كما تلاحظ المنظمة أن الضغط تركز على الوضع الإداري والمالي للناشر، وليس على خطأ مهني محدد في تحقيق نشرته المنصة. ولذلك فإن حل «الخط» سيهدد استدامة «إنكفاضة» وشبكة صحفييها وباحثيها، ويرسل رسالة ردع إلى المؤسسات الإعلامية الأخرى مفادها أن التحقيق في الفساد والانتهاكات قد يقود إلى خنق المؤسسة ماليًا وقانونيًا.

 

التمويل من أداة تنظيم إلى ذريعة للتجريم

وفيما تؤكد «صحفيات بلا قيود» بحق الدولة في فرض قواعد واضحة وشفافة لمنع غسل الأموال وضمان سلامة الحسابات، لكن هذا الحق لا يبيح اعتبار التمويل الأجنبي في ذاته دليلًا على الخيانة أو التبعية، ولا يسمح باستخدام تشريعات مكافحة الإرهاب والجرائم المالية لمعاقبة أنشطة صحفية وحقوقية مشروعة.

وقد أدى خطاب سياسي يصور بعض الجمعيات باعتبارها تهديدًا للسيادة أو أدوات لقوى أجنبية إلى خلق بيئة تستبدل التحقق من المخالفات بالإدانة السياسية المسبقة. كما أحدث تعطيل التحويلات وإغلاق الحسابات أو رفض الأموال، أحيانًا من دون أسباب مكتوبة، أثرًا عقابيًا أعاق دفع الرواتب وتقديم المساعدة القانونية والإنسانية وتنفيذ البرامج.

ويتزامن ذلك مع مناقشة الحكومة مشروع قانون أساسي جديد للجمعيات، قالت إنه يهدف إلى التوفيق بين حرية التنظيم والرقابة على التمويل، إلى جانب مبادرات تشريعية تتضمن اشتراط إذن مسبق للتمويل الأجنبي. وتحذر المنظمة من أن الانتقال من نظام التصريح إلى الترخيص المسبق سيجعل استمرار الجمعيات مرهونًا بموافقة السلطة التنفيذية، ويحول الرقابة المالية إلى أداة للتحكم في البرامج والشراكات.

وتؤكد «صحفيات بلا قيود» أن الصحافة التي تحقق في أعمال الدولة والجمعيات التي تراقبها ليست خطرًا على المجتمع، بل ضمانة ضد الفساد والاستبداد. وإن وقف دعوى حل «الخط»، وإطلاق سراح المدافعين، وإعادة فتح المجال أمام الجمعيات ليست تنازلات سياسية، بل التزامات قانونية وشرط أساسي لاستعادة المجال العام وسيادة القانون في تونس.

 

مخالفة القانون والالتزامات الدولية

يكفل المرسوم عدد 88 لسنة 2011 حرية تأسيس الجمعيات واستقلالها، ويحظر على السلطات تعطيل نشاطها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. كما يسمح بتلقي التمويل الأجنبي ضمن قواعد الإفصاح، ويضع تدرجًا للعقوبات يبدأ بالتنبيه وفرصة إزالة المخالفة، ثم التعليق القضائي، ولا يصل إلى الحل إلا بعد استمرار المخالفة واستنفاد الطعون.

وتحمي المادتان 19 و22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حرية التعبير وتكوين الجمعيات، ولا تجيزان تقييدهما إلا بقانون واضح ولغرض مشروع، وبقدر ضروري ومتناسب. وقد أعرب مقررون خاصون تابعون للأمم المتحدة عن قلقهم من تعليق الجمعيات وتجميد الحسابات والتحقيقات التي طالت المدافعين والصحفيين والمنظمات العاملة مع المهاجرين، مؤكدين أن التعليق والحل يجب أن يظلا ملاذًا أخيرًا وخاضعين لمراجعة قضائية مستقلة. 

مطالب «صحفيات بلا قيود»

تطالب المنظمة السلطات التونسية بسحب طلب حل جمعية «الخط»، وضمان استمرار منصة «إنكفاضة» في العمل والنشر من دون انتقام إداري أو مالي أو قضائي، ووقف إجراءات حل جمعية «منامتي» وغيرها من المنظمات الحقوقية.

كما تطالب بالإفراج عن سعدية مصباح والعاملين في المجتمع المدني المحتجزين بسبب أنشطة حقوقية أو إنسانية مشروعة، ووقف استخدام قوانين مكافحة الإرهاب وغسل الأموال والهجرة لمعاقبة تقديم المساعدة أو العمل الصحفي.

وتدعو إلى رفع تجميد حسابات الجمعيات ما لم يستند إلى قرار قضائي مسبب، ونشر مشروع قانون الجمعيات وإخضاعه لمشاورات عامة حقيقية، والحفاظ على نظام التصريح، ورفض الإذن المسبق للتمويل الأجنبي والصلاحيات الإدارية الفضفاضة.

 

Author’s Posts

Image