مصر: تصاعد مقلق لانتهاكات حرية الرأي والتعبير بأحكام قاسية وحرمان من الرعاية واستمرار الاعتقالات
عبرت منظمة «صحفيات بلا قيود» عن بالغ قلقها إزاء التصاعد المستمر للانتهاكات المرتبطة بحرية الرأي والتعبير في مصر، مؤكدةً أن السلطات المصرية تواصل ملاحقة الصحفيين والكتاب والناشطين والمعارضين والنقابيين بسبب آرائهم أو ممارستهم السلمية لحقوقهم الأساسية.
وقالت المنظمة إن الوقائع التي رصدتها خلال الأيام الماضية تكشف استمرار النهج القائم على تقييد حرية التعبير، من خلال إصدار أحكام سالبة للحرية على خلفية منشورات وآراء، وتنفيذ اعتقالات جديدة استهدفت شخصيات نقابية وسياسية، إلى جانب استمرار احتجاز سجناء رأي في ظروف تثير مخاوف جدية على حياتهم وسلامتهم، فضلًا عن تعرض بعض المحتجزين للاعتداء وحرمان آخرين من أبسط حقوقهم، بما في ذلك الحق في التعبير.
وشددت صحفيات بلا قيود على أن معاقبة الأفراد بسبب آرائهم أو كتاباتهم أو نشاطهم السلمي تمثل انتهاكًا صارخًا للحق في حرية الرأي، وتسهم في تكريس مناخ من الترهيب يدفع إلى الرقابة الذاتية، ويقوض الحق في المشاركة في الشأن العام وتداول المعلومات.
أحكام بالسجن
ورصدت صحفيات بلا قيود، خلال الأيام الماضية، صدور أحكام جديدة تكشف استمرار مؤسسات السلطات المصرية في تضييق الخناق على كل من ينشر رأياً لا يرق للحكومة المصرية، سواء كان الناشر صحفيا أو نقابياً أو مواطناً عادياً، وأينما كانت وسيلة النشر، بما في ذلك حسابات التواصل الاجتماعي، ومن بين تلك الحالات:
- في 16 يوليو/تموز 2026، أيدت محكمة جنح مستأنف القاهرة، الحكم الصادر بحق الناشط السياسي والشاعر أحمد دومة من محكمة جنح القاهرة، والذي قضى بحبس دومة لمدة عام مع الشغل والنفاذ، على خلفية منشورات ومقال تناول فيهما أوضاع الاحتجاز داخل سجني "بدر 1" و"العاشر من رمضان 4"، وما وصفه بظروف احتجاز غير إنسانية، من بينها الحرمان من النوم نتيجة الإضاءة المستمرة. وقد وُجهت إليه اتهامات بنشر أخبار كاذبة من شأنها الإضرار بالأمن العام، رغم تأكيد هيئة الدفاع أن ما صدر عنه لا يتجاوز حدود النقد المشروع والتعبير عن الرأي بشأن ظروف احتجازه.
· كما أصدرت محكمة الإسكندرية الاقتصادية في 4 يوليو/تموز 2026 حكمًا بحبس الطبيبة أمنية أحمد عبده سويدان ستة أشهر مع الشغل، مع وقف تنفيذ العقوبة لمدة ثلاث سنوات، وتغريمها عشرين ألف جنيه، بعد إدانتها بسبب منشورات عبر موقع "فيسبوك" تناولت خلالها ما قالت إنها وقائع شهدتها أثناء فترة عملها في مستشفى الشاطبي الجامعي. ورغم أن المحكمة انتهت إلى براءتها من تهمة استخدام الحساب الإلكتروني كوسيلة لارتكاب الجريمة، فإنها أدانتها على خلفية المحتوى المنشور، في قضية أثارت نقاشًا واسعًا حول حدود حرية التعبير وحق العاملين في الإبلاغ عن الانتهاكات داخل المؤسسات العامة.
اعتقالات تستهدف النشاط السلمي
وفي سياق متصل، شهدت الأيام الماضية اعتقالات جديدة طالت شخصيات نقابية وسياسية وصحافية أيضاً.
وبعد تأييد المحكمة حبس الصحفي دومة، نشر الصحفي محمود غانم، منشورًا أعلن فيه اعتزامه التوقف عن الكتابة في الشأن العام، خوفًا من العودة إلى السجن مفصحاً عن عدم شعوره بالأمان، ومخاوف من ضياع العمر بسبب كلمات.
وبعد ساعات، اختفى الصحفي غانم، وتشير المعلومات الأولية إلى اعتقاله..
وكان المحامي الحقوقي خالد علي، أعلن القبض على الدكتور محمد زهران، مؤسس تيار استقلال المعلمين ووكيل حزب الجبهة الديمقراطية، من منزله مساء 15 يوليو/تموز، بعد أيام فقط من دعوته إلى اجتماع لمعلمي القاهرة لبحث تنفيذ الأحكام القضائية الخاصة بإجراء انتخابات نقابة المعلمين وإنهاء الحراسة المفروضة عليها منذ سنوات.
كما تتواصل التحقيقات في القضية المعروفة إعلاميًا بـ"جيل زد"، حيث أسفرت الحملة الأمنية الأخيرة، وفقًا لتقارير حقوقية، عن حبس 55 شخصًا احتياطيًا لمدة 15 يومًا، وإصدار أوامر ضبط وإحضار بحق 80 آخرين، بينهم قاصرون وتسع فتيات، على خلفية اتهامات تتعلق بالتعبير عبر المنصات الرقمية أو الانضمام إلى مجموعات إلكترونية دعت للاحتجاج على الأوضاع السياسية والاقتصادية. كما تضمنت الإفادات مزاعم عن تعرض بعض المحتجزين للإخفاء القسري لفترات طويلة وسوء المعاملة والإكراه أثناء التحقيق.
ونوهت صحفيات بلا قيود، أن استهداف النشاط النقابي السلمي والتعبير الرقمي يمثل امتدادًا لسياسة تضييق متواصلة على المجال العام، ويقوض الحق في التنظيم والتجمع السلمي والمشاركة في الشأن العام.
حرمان من الرعاية وأشياء أخرى
وأشارت صحفيات بلا قيود إلى المخاطر التي تهدد حياة المحتجزين، بمن فيهم المعتقلين بسبب الآراء، في ظل حرمانهم من الرعاية الصحية المناسبة وحقوقهم الأساسية الأخرى، ومن بين الحالات التوضيحية، التي أثيرت تفاصيل أوضاعها، في الأيام الماضية من يوليو الجاري، هذه الحالات:
· الاقتصادي الدكتور عبد الخالق فاروق (69 عامًا)، المحكوم بالسجن خمس سنوات في قضية ارتبطت بكتاباته المنتقدة للسياسات الاقتصادية، رغم معاناته من أمراض مزمنة تستوجب متابعة طبية منتظمة، ما زالت مؤسسات السلطات في مصر، مستمرة في احتجازه، ما يعرض حياته لخطر حقيقي.
· في السياق، كشفت أسرة الناشط السياسي محمد عادل عن تدهور حالته النفسية، وإعلانه عزمه الدخول في إضراب مفتوح عن الطعام، في ظل استمرار احتجازه منذ أكثر من اثني عشر عامًا، وحرمانه من التريض، ومن الرعاية الطبية المتخصصة، ومن استكمال دراسته، وهي ظروف تشكل ضغطًا نفسيًا وجسديًا بالغ الخطورة. ووفق ما نقلته زوجته رفيدة حمدي، أنه خلال زيارتها له في 6 يوليو الجاري أفصح عن فقدانه الأمل في استعادة حريته، وكرر أمامها نيته إنهاء حياته عدة مرات، في تطور وصفته بأنه الأخطر منذ سنوات احتجازه الطويلة.
· وتعرض المخرج وكاتب السيناريو عمر صلاح مرعي لاعتداء جسدي داخل محبسه بسجن "العاشر تأهيل 6"، إلى جانب استمرار حرمانه من العلاج اللازم رغم إصابته بآلام وتورم في اليد، وعدم تمكينه من متابعة حالته الصحية المتعلقة بالغدة الدرقية. وتواصل النيابة، حبس مرعي احتياطياً على خلفية اتهامات مرتبطة بالتعبير السلمي عن الرأي، في انتهاك يتعارض مع نصوص الدستور المصري في شأن حرية التعبير والنشر.
· يواصل الشاعر جلال البحيري إضرابه المفتوح عن الطعام، الذي بدأه في 2 يوليو الجاري، احتجاجًا على مصادرة كتبه وأوراقه وأقلامه، ومنع إدخال الملابس إليه، في إجراءات اعتبرها مقربون منه استهدافًا لحقه في القراءة والكتابة والتواصل. ويتزامن الإضراب مع بلوغ الشاعر الشاب، عامه السادس والثلاثين، بعدما قضى أكثر من ثماني سنوات خلف القضبان منذ القبض عليه في 3 مارس 2018.
مخالفات
وترى صحفيات بلا قيود أن ما تشهده مصر من توسع في الملاحقات القضائية بسبب التعبير السلمي، واللجوء إلى الحبس الاحتياطي المطول، واستمرار احتجاز أشخاص بسبب آرائهم، وحرمان المحتجزين من الرعاية الصحية أو تعريضهم لسوء المعاملة، يشكل انتهاكًا لالتزامات مصر بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وتتعارض هذه الممارسات مع المادة (65) من الدستور المصري التي تكفل حرية الفكر والرأي، والمادة (71) التي تحظر توقيع عقوبات سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، باستثناء حالات محددة لا تنطبق على غالبية قضايا الرأي. كما تخالف أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة (19) التي تكفل الحق في حرية التعبير وتلقي المعلومات ونقلها، والمادة (9) التي تحظر الحرمان التعسفي من الحرية، فضلًا عن المادة (10) التي تلزم بمعاملة جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحفظ كرامتهم.
كذلك، فإن الحرمان من الرعاية الصحية أو تعريض المحتجزين لظروف احتجاز تهدد حياتهم يتعارض مع قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا)، التي تلزم السلطات بتوفير الرعاية الصحية المكافئة لتلك المتاحة خارج السجون، وضمان حماية المحتجزين من الإهمال أو سوء المعاملة أو العقوبات القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
مطالب
وتجدد منظمة صحفيات بلا قيود دعوتها إلى السلطات المصرية لوقف الممارسات المهددة لحرية الرأي والتعبير، والإفراج الفوري عن جميع المحتجزين بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم الأساسية، كما تطالب بإنهاء الاستخدام المفرط للحبس الاحتياطي في قضايا النشر والرأي، وضمان احترام استقلال القضاء، ووقف الملاحقات والكشف الفوري عن أماكن وجود جميع المحتجزين وضمان تمكينهم من التواصل مع أسرهم ومحاميهم.
وتدعو المنظمة إلى فتح تحقيقات مستقلة وشفافة في جميع الادعاءات المتعلقة بالإخفاء القسري، وسوء المعاملة، والاعتداءات داخل أماكن الاحتجاز، ومحاسبة المسؤولين عنها، مع ضمان توفير الرعاية الصحية العاجلة لجميع المحتجزين، وتمكينهم من حقوقهم الأساسية وفقًا للدستور المصري والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

Ar
En
