تدين منظمة «صحفيات بلا قيود» بأشد العبارات اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين العُزّل وأراضيهم ومنازلهم ومصادر رزقهم في الضفة الغربية المحتلة، وتستنكر اعتقال المزارعين والتضييق عليهم أثناء عملهم في حقولهم.
وترى المنظمة أن اتساع الاعتداءات واستمرار إفلات مرتكبيها من العقاب يكشفان نمطاً خطيراً من الترهيب واقتلاع السكان، تتجاوز آثاره كل واقعة منفردة إلى تقويض قدرة الفلسطينيين على البقاء في أرضهم.
وتقوم السلطات الإسرائيلية بتسليح المستوطنين المسؤولين عن اعتداءات وتموّلهم وتمنحهم الإفلات من العقاب، وسجلت عديد حالات ينفذ المستوطنون الاعتداءات بمشاركة وحدات عسكرية أو بحضور جنود امتنعوا عن التدخل.
وفي أحدث الوقائع التي تستدعي التحقيق والمساءلة، أفادت تقارير باعتقال قوات الاحتلال أربعة مزارعين من بلدة كفر اللبد شرق طولكرم، يوم 26 سبتمبر/أيلول، أثناء قطف الزيتون في أراضٍ قرب مستوطنة «عناب»، وصفها التقرير بأنها أراضيهم. وهم نعيم ناصر الأسود، ومحمود أحمد الأسود، وأحمد محمود الأسود، وجواد مؤيد الأسود. وتطالب المنظمة بالكشف الفوري عن مصيرهم وأسباب توقيفهم، وتمكينهم من محامين والطعن في احتجازهم، والإفراج عن كل من اعتُقل لمجرد ممارسته عملاً زراعياً مشروعاً. ولم توفر المعلومات وجود أوامر الاعتقال أو التهم أو وثائق ملكية القطع المعنية؛ وهي مسائل يجب كشفها والتحقق منها، لا استخدامها لإبقاء المحتجزين وأسرهم في الغموض.
وتكشف الأرقام الأممية حجم الخطر الذي يواجهه الفلسطينيون: فقد وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، منذ مطلع عام 2026 وحتى 14 سبتمبر/أيلول، أكثر من 1600 اعتداء للمستوطنين أسفر عن إصابات أو أضرار بالممتلكات أو كليهما، وطال 275 تجمعاً فلسطينياً. وأورد التقرير نفسه، المنشور في 18 سبتمبر، نزوح أكثر من 2600 فلسطيني خلال العام في سياق عنف المستوطنين والقيود المرتبطة بالوصول. وترى المنظمة أن هذه الحصيلة تُسقط محاولات اختزال الاعتداءات في تجاوزات متفرقة؛ فحين يمتد العنف إلى مئات التجمعات ويُرغم آلاف الأشخاص على الرحيل، تصبح حماية السكان ومساءلة المسؤولين ضرورة عاجلة لا تحتمل بيانات القلق المتكررة.
ويمتد هذا الاقتلاع إلى سنوات من الضغط المتراكم. فوفق الأمم المتحدة شهد 130 تجمعاً فلسطينياً نزوحاً كلياً أو جزئياً بين يناير/كانون الثاني 2023 و31 أغسطس/آب 2026 في سياق اعتداءات المستوطنين والقيود المرتبطة بها؛ وأُفرغ 48 تجمعاً بالكامل، فيما تجاوز عدد النازحين 6400 فلسطيني، بينهم أكثر من 3100 طفل. وتؤكد «صحفيات بلا قيود» أن دفع الأسر إلى الرحيل عبر الاعتداء والتهديد وقطع سبل العيش لا يصبح مغادرة طوعية لمجرد أن الضحايا اضطروا إلى حمل أطفالهم والهرب بأنفسهم؛ فالإكراه قد يُمارَس بصناعة ظروف تجعل البقاء خطراً دائماً.
وتحذّر المنظمة من استهداف موسم الزيتون بوصفه اعتداءً على مورد اقتصادي واجتماعي أساسي للأسر الفلسطينية. حيث سجّل 185 اعتداء للمستوطنين في 70 تجمعاً خلال موسم القطاف بين أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2025، وأضراراً بأكثر من ستة آلاف شجرة وشتلة خلال الفترة نفسها. وتؤكد المنظمة أن اقتلاع الأشجار وإحراق المحاصيل وسرقة الماشية وتخريب شبكات المياه يضرب شروط البقاء على الأرض، ويحمّل الأسر خسائر قد تمتد لسنوات. ولا يجوز أن تتحول خشية الاعتداء إلى وسيلة تمنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم، ثم تُستغل خسارتهم القدرة على زراعتها لتكريس الاستيلاء عليها.
وتحمّل «صحفيات بلا قيود» السلطات الإسرائيلية، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، مسؤولية حماية السكان الفلسطينيين وممتلكاتهم وضمان النظام العام والسلامة، ومنع اعتداءات المستوطنين والتحقيق فيها وملاحقة مرتكبيها. فواجب الحماية يشمل بذل العناية اللازمة لمنع عنف الأفراد، وفق تفسير اللجنة الدولية للصليب الأحمر للمادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة. وتطالب بأن تشمل التحقيقات أي مشاركة أو تسهيل أو امتناع غير مشروع عن التدخل من جانب الجنود والشرطة والمسؤولين، وتحديد المسؤولية الفردية وفق الأدلة.
وتطالب المنظمة بوقف الاعتداءات فوراً، وضمان وصول المزارعين الآمن إلى أراضيهم، وإنهاء الاحتجاز التعسفي، وإعادة الممتلكات المسلوبة وتعويض المتضررين، وتأمين عودة آمنة وكريمة لمن أُجبروا على النزوح. وتدعو الدول إلى فرض تدابير محددة بحق الأفراد والجهات التي تثبت مسؤوليتها عن تمويل الاعتداءات أو تنظيمها أو تنفيذها، ودعم التحقيقات الدولية وحماية الشهود وحفظ الأدلة.
وتؤكد أن الاكتفاء بإدانة العنف، بينما يحتفظ المعتدون بالسلاح والحماية ومكاسب الاستيلاء على الأرض، يترك الفلسطينيين مكشوفين أمام اعتداءات جديدة؛ فالمساءلة يجب أن تطال الفاعل ومن يمكّنه، وأن تعيد للضحايا حقوقهم وأمنهم وأرضهم.


Ar
En